تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
لأعمال البرية ، لكانت هي أهون عليه من أن يخلقها ، أو أن يعمرها بمن عمرها ، أو يبثّ ما بثّ لها . ومن أمور الدنيا ما جعله اللّه على الأسوة « 1 » ، ومنه ما جعله على التفضيل ، فأحقّ أمورها أن يرضاه من أعطيه ، ويصبر له من نزل به ، ما كان أمر أسوة في محبة أو مكروه ، وهذا الموت مما آسى اللّه فيه بين الخلائق ، فقضى أن تذوقه كلّ نفس ، ويمنى به كل حي ، فالمتقدّم فيه على أسوة ممن قبله وممن بعده ، وأنه سيلحقه الباقي كما سبقه الماضي ، ومكاره الدنيا حالّة « 2 » على من عمر الدنيا ، فإن اللّه خلقها للبلاء حين خلقها ، وخلق أهلها على الابتلاء ، فجعل لهم منها أطباقا « 3 » يركبونها ، وحالات ينتقلون فيها من محنة إلى مكروه ، ونقص « 4 » وعافية ، فكلّ ذي سلامة وإن طالت ، وذي عافية ، وإن تتابعت ، لابدّ أن تناله المكاره ، وتتصرّف به الحالات ، ويبلى بالخير والشر فتنة ، على ذلك وضعت ، فيرجو عبد أن يعمرها بما لم يعمرها أحد قبله ، ولا يعمرها به أحد بعده ؟ إنه من نفسه في قريب الدنيا وظاهرها - وينسى عواقبها التي بقيت وعبرها التي مضت - كان جاهلا مغرورا ، ومن جعل قلبه في الفكر والتذكر كان معافى معصوما ، وكلّ كثير الدنيا قليل ، وكل حالاتها غرور ، غير أن اللّه برحمته جعل ما يتقرّب به العباد إليه زاكيا عظيما عنده ، فاصبر لأمره ، وارض يقضائه ، وارج ما وعد أهل المعرفة بحقه من النعيم المقيم ، والخلود الدائم ، فيما لم تعلمه نفس ، ولم تره عين ، ولم يخطر على قلب ، ولم تبلغه أمنيّة ، فضلا مذخورا لأهل طاعته حين يحلّون عنده ، ويتلذذون فيه بالشهوات ، ويتجددون فيه على طول البقاء ؛ قد فنى الموت وبقوا بعده كما كان يفنيهم ويبقى بعدهم ، وجميع العباد أسوة لأخيك في الموت الذي أتى عليه ، ونظير ذلك في أشباه المرزئة التي دخلت عليك ، فاذكر ذلك عند
هامش
( 1 ) أي القدوة . ( 2 ) في الأصل « حلة » وهو تحريف . ( 3 ) جمع طبق بالتحريك : وهو الحال . ( 4 ) في الأصل « ونقض » .
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 111 | أحمد زكي صفوت