اعلم يا يزيد أنك طريد الموت وأسير الحياة ، بلغني أنك اتخذت المصانع « 1 » والمجالس للملاهي والمزامير ، كما قال اللّه تعالى :
« أَ تَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ
« 2 »
آيَةً تَعْبَثُونَ وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ »
وأجهرت « 3 » الفاحشة حتى اتخذت سريرتها عندك جهرا .
اعلم ( يا يزيد ) أن أول ما سلبكه السّكر معرفة مواطن الشكر للّه على نعمه المتظاهرة « 4 » ، وآلائه المتواترة ، وهي الجرحة العظمى ، والفجعة الكبرى : ترك الصلوات المفروضات في أوقاتها ، وهو من أعظم ما يحدث من آفاتها ، ثم استحسان العيوب ، وركوب الذنوب ، وإظهار العورة ، وإباحة السر ، فلا تأمن نفسك على سرّك ، ولا تعقد على فعلك ، فما خير لذّة تعقب الندم ، وتعفّى « 5 » الكرم .
وقد توقّف أمير المؤمنين بين شطرين من أمرك ، لما يتوقّعه من غلبة الآفة ، واستهلاك الشهوة ، فكن الحاكم على نفسك ، واجعل المحكوم عليه ذهنك ، ترشد إن شاء اللّه تعالى .
وليبلغ أمير المؤمنين ما يردّ شاردا من نومه ، فقد أصبح نصب الاعتزال من كل مؤانس ، ودريئة « 6 » الألسن الشامتة ، وفّقك اللّه فأحسن » .
( صبح الأعشى 6 : 387 )
هامش
( 1 ) المصانع : المباني من القصور - والحصون .
( 2 ) الريع : المرتفع من الأرض ، آية : أي أبنية وقصورا يفتخرون بها ، ويبعثون بالفقراء ويتطاولون عليهم من أجلها ، والمصانع في الآية قيل : الأبنية ، وقيل : هي أحباس تتخذ للماء واحدها مصنعة ومصنع ، وهذه الآية نزلت في عاد قوم هود .
( 3 ) جهر بالكلام وأجهر به ، ويعديان بغير حرف فيقال جهر الكلام وأجهره : أعلنه وأظهره
( 4 ) المتظاهرة المتوالية المترادفة ، وأصله من ظاهر بين الثوبين : إذا لبس أحدهما على الآخر ، والآلاء :
النعم ، جمع إلى كحمل وألو وإلى كشمس وإلى كعصا وإلى كرضا .
( 5 ) تمحو وتزيل ، وأصله من عفت الريح المنزل : إذا درسته .
( 6 ) الدريئة : الحلقة يتعلم عليها الطعن والرمي ، وفي الأصل « ودرأة » وهو تحريف .