تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 413

مساهمون:

ص٤١٣
ثم أحضرهم من نفسك وقارا يستدعى لك منهم الهيبة ، واستئناسا يعطف إليك منهم المودّة ، وإنصاتا « 1 » يفلّ إفاضتهم عندك بما تكره أن ينشر عنك من سخافة الرأي ، وضياع الحزم ، ولا يغلبنّ عليك هواك فيصرفك عن الرأي ، ويقتطعك دون الفكر . وتعلّم أنك وإن خلوت بسرّ ، فألقيت دونه ستورك ، وأغلقت عليه أبوابك ، فذلك لا محالة مكشوف للعامّة ، ظاهر عنك - وإن استترت بربّما ولعلّ ، وما أرى إذاعة ذلك وأعلم « 2 » - بما يرون من حالات من ينقطع به في تلك المواطن ، فتقدّم في إحكام ذلك من نفسك وسدّ خلله عنك ، فإنه ليس أحد أسرع إليه سوء القالة ، ولغط العامّة بخير أو شر ، ممن كان في مثل حالك ومكانك الذي أصبحت به من دين اللّه ، والأمل المرجوّ المنتظر فيك ، وإياك أن يغمز « 3 » فيك أحد من حامّتك وبطانة خدمك بضعفة يجد بها مساغا إلى النطق عندك بما لا يعتزلك عيبه ، ولا تخلو من لائمته ، ولا تأمن سوء الأحدوثة فيه ، ولا يرخص سوء القالة به إن نجم ظاهرا وعلن باديا « 4 » ، ولن يجترئوا على تلك عندك إلّا أن يروا منك إصغاء إليها ، وقبولا لها ، وترخيصا لهم في الإفاضة بها . ثم إيّاك أن يفاض عندك بشئ من الفكاهات والحكايات والمزاح والمضاحك التي يستخفّ بها أهل البطالة ، ويتسرّع نحوها ذوو الجهالة ، ويجد فيها أهل الحسد مقالا لعيب يذيعونه « 5 » ، ولطعن في حق يجحدونه ، مع ما في ذلك من نقص الرأي ، ودرن العرض ، وهدم الشرف ، وتأثيل « 6 » الغفلة ، وقوّة طباع السّوء الكامنة
هامش
( 1 ) وفي المنظوم والمنثور « وإنصافا يغل أقاصيهم له عنك بما تكره أن ينتشر عنك . . . الخ » . ( 2 ) أرى بالضم أي أظن ، وأعلم معطوف عليه أي وما أعلم . والمعنى وإن استترت وراء هذه الألفاظ . ( 3 ) أغمز في فلان : عابه وصغره ، واغتمزه طعن عليه أيضا . ( 4 ) نجم كنصر : ظهر ، وعلن كنصر وضرب وكرم وفرح : ظهر أيضا . ( 5 ) وفي المنظوم والمنثور « يدفعونه » . ( 6 ) أي تأصيل وتمكين ، والحجر الصلد : أي الصلب الأملس .