تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 414

مساهمون:

ص٤١٤
في بني آدم كمون النّار في الحجر الصّلد ، فإذا قدح لاح شرره ، وتلهّب وميضه ووقد تضرّمه ، وليست في أحد ، أقوى سطوة ، وأظهر توقّدا ، وأعلى كمونا ، وأسرع إليه بالعيب ، وتطرّق الشّين ، منها لمن كان في مثل سنّك من أغفال « 1 » الرجال وذوى العنفوان في الحداثة ، الذين لم تقع عليهم سمات الأمور ، ناطقا عليهم لائحها ، ظاهرا عليهم وسمها ، ولم تمحضهم « 2 » شهامتها ، مظهرة للعامة فضلهم ، مذيعة حسن الذّكر عنهم ، ولم يبلغ بهم الصّيت في الحنكة مستمعا « 3 » يدفعون به عن أنفسهم نواطق ألسن أهل البغى ، وموادّ أبصار أهل الحسد . ثم تعهّد من نفسك لطيف عيب لازم لكثير من أهل السلطان والقدرة من إبطار الذّرع « 4 » ونخوة الشرف والتّيه وعيب الصّلف ، فإنها تسرع بهم إلى فساد رأيهم ، وتهجين « 5 » عقولهم في مواطن جمّة ، وأنحاء مصطرفة ، منها قلة اقتدارهم على ضبط أنفسهم في مواكبهم ومسايرتهم العامّة ، فمن مقلقل شخصه بكثرة الالتفات عن يمينه وشماله ، تزدهيه الخفّة ، ويبطره إجلاب « 6 » الرجال حوله ، ومن مقبل في موكبه على مداعبة مسايره بالمفاكهة « 7 » له والتضاحك إليه ، والإيجاف « 8 » في السير مرحا ، وتحريك الجوارح متسرّعا ، يخال أن ذلك أسرع له وأحثّ « 9 » لمطيّته ،
هامش
( 1 ) أغفال جمع غفل كقفل وهو من لم يجرب الأمور ، وعنفوان الشباب : أوله . ( 2 ) من محضه الود وأمحضه : أي أخلصه . ( 3 ) في المنظوم والمنثور « ولم يبلغ بهم الصمت في الحركة مستمعان » وهو تحريف ، والصلف : مجاوزة قدر الظرف والادعاء فوق ذلك تكبرا ، ( 4 ) في المنظوم والمنثور « من أقطار الدرع » وفي صبح الأعشى « من أبطال الذرع » وفي مفتاح الأفكار « من أبطال البدع » وأرى أن ذلك تحريف ، والصواب « من إبطار الذرع » ومعناه من الذرع : أي القوة المبطرة : أي الداعية إلى البطر ، كما يدل عليه سياق الكلام . ( 5 ) التهجين : التقبيح . ( 6 ) الجلب والجلبة بالتحريك : اختلاط الأصوت ، وقد جلبوا كنصر وضرب وأجلبوا وجلبوا . ( 7 ) في المنظوم والمنثور « بالمصاحبة له » والأولى أنسب وأولى . ( 8 ) وجف الفرس : عدا ، وأوجفه : أعداه ، والمرح بالتحريك : شدة الفرح والنشاط ، وفي المنظوم والمنثور « مهرجا » . ( 9 ) وفيه « وأخف » .