« أما بعد : فإن هذه الخلافة من اللّه على مناهج نبوّة رسله ، وإقامة شرائع دينه ، أكرمهم اللّه بما قلّدهم ، يعزّهم ويعزّ من يعزهم ، والحين « 1 » على من ناوأهم فابتغى غير سبيلهم ، فلم يزالوا أهل رعاية لما استودعهم اللّه منها ، يقوم بحقّها ناهض بعد ناهض ، بأنصار لها من المسلمين ، وكان أهل الشأم أحسن خلقه فيه طاعة ، وأذبّه عن حرمه ، وأوفاه بعهده ، وأشدّه نكاية في مارق مخالف ناكث ناكب « 2 » عن الحق ، فاستدرّت نعمة اللّه عليهم ، قد عمر بهم الإسلام ، وكبت « 3 » بهم الشّرك وأهله ، وقد نكثوا أمر اللّه ، وحاولوا نكث العهود ، وقام بذلك من أشعل ضرامها ، وإن كانت القلوب عنه نافرة ، والمطلوبون بدم الخليفة ولاية « 4 » من بنى أمية ، فإنّ دمه غير ضائع ، وإن سكنت بهم الفتنة ، والتأمت الأمور ، فأمر أراده اللّه لا مردّ له .
قد كتبت بحالك فيما أبرموا وما ترى ، فإني مطرق إلى أن أرى غيرا « 5 » فأسطو بانتقام ، وأنتقم لدين اللّه المبتول « 6 » ، وفرائضه المتروكة مجانة ، ومعي قوم أسكن اللّه طاعتي قلوبهم ، أهل إقدام إلى ما قدمت بهم عليه ، ولهم نظراء ، صدورهم مترعة « 7 » ممتلئة ، لو يجدون منزعا « 8 » ، وللنّقمة دولة تأتى من اللّه ، ووقت موكّل ،
هامش
( 1 ) الحين : الهلاك والمحنة .
( 2 ) نكب عنه كنصر وفرح : عدل كنكب وتنكب .
( 3 ) كبته : صرعه وأخزاه وكسره وأذله ورده بغيظه .
( 4 ) الولاية : الإمارة والسلطان ، والمعنى ذوو ولاية أي أمراء من بنى أمية ، وقد تقدم أن البعث الذي وجهه يزيد لقتل الوليد كان عليه عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك .
( 5 ) غير الدهر : حوادثه المغيرة .
( 6 ) أي المقطوع غير الموصول ، من بتله كنصر وضرب إذا قطعه .
( 7 ) أي ممتلئة .
( 8 ) المنزع : الموضع الذي يصعد فيه الدلو إذا نزع من البئر فذلك الهواء هو المنزع - انظر لسان العرب 16 : 211 في مادة بين - والمعنى : لو يجدون مجالا وفرصة للانتقام .