« إن اللّه اختار الإسلام دينا ، وارتضاه وطهّره ، وافترض فيه حقوقا أمر بها ، ونهى عن أمور حرّمها ، ابتلاء « 1 » لعباده في طاعتهم ومعصيتهم ، فأكمل فيه كلّ منقبة « 2 » خير ، وجسيم فضل ، ثم تولّاه فكان له حافظا ، ولأهله المقيمين حدوده وليّا ، يحوطهم ويعرّفهم بفضل الإسلام ، فلم يكرم اللّه بالخلافة أحدا يأخذ بأمر اللّه وينتهى إليه ، فيناوبه أحد بميثاق ، أو يحاول « 3 » صرف ما حباه اللّه به ، أو ينكث ناكث إلا كان كيده الأوهن ، ومكره الأبور ، حتى يتمّ اللّه ما أعطاه ، ويدّخر له أجره ومثوبته ، ويجعل عدوّه الأضلّ سبيلا ، الأخسر عملا ، فتناسخت « 4 » خلفاء اللّه ولاة دينه ، قاضين فيه بحكمه ، متّبعين فيه لكتابه ، فكانت لهم بذلك من ولايته ونصرته ما تمّت به النعم عليهم ، قد رضى اللّه بهم لها حتى توفّى هشام .
ثم أفضى الأمر إلى عدوّ اللّه الوليد ، المنتهك للمحارم التي لا يأتي مثلها مسلم ، ولا يقدم عليها كافر ، تكرّما عن غشيان مثلها ، فلما استفاض ذلك منه واستعلن ، واشتدّ فيه البلاء ، وسفك فيه الدماء ، وأخذت الأموال بغير حقها مع أمور فاحشة لم يكن اللّه ليخلّى العاملين بها إلا قليلا ، سرت إليه مع انتظار مراجعته ، وإعذار إلى اللّه وإلى المسلمين ، منكرا لعلمه وما اجترأ عليه من معاصي اللّه ، متوخّيا من اللّه إتمام الذي نويت ، من اعتدال عمود الدين والأخذ في أهله بما هو رضا ، حتى أتيت جندا وقد وغرن « 5 » صدورهم على عدو اللّه ، لما رأوا من عمله ، فإن عدوّ اللّه لم يكن يرى من شرائع الإسلام شيئا إلا أراد تبديله ، والعمل فيه بغير ما أنزل اللّه ، وكان ذلك منه شائعا شاملا ، عريان لم يجعل اللّه فيه سترا ، ولا أحد لأحد فيه شكّا ، فذكرت لهم الذي نقمت وخفت ، من فساء الدين والدنيا ، وحضضتهم على تلافى دينهم
هامش
( 1 ) أي اختبارا .
( 2 ) المنقبة المفخرة .
( 3 ) في الأصل « أو بحلول » وهو تحريف ، وحباه : أعطاه ومنحه .
( 4 ) أي تعاقبوا وتداولوا ، تناسخت الأشياء : تداولت فكان بعضها مكان بعض .
( 5 ) وغر صدره : امتلأ غيظا .