تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 348

مساهمون:

ص٣٤٨
عليهم ، نزع بك إلى ذلك عرق سوء فيهم من التي قامت عنك « 1 » فبئس الجنين أنت يا عدىّ « 2 » نفسه . وإن اللّه عزّ وجل لمّا رأى إحسان أمير المؤمنين إليك ، وسوء قيامك بشكره ، قلب قلبه فأسخطه عليك حتى قبحت أمورك عنده ، وآيسه من شكرك ما ظهر من كفرك النّعمة عندك ، فأصبحت تنتظر سقوط النّعمة ، وزوال الكرامة ، وحلول الخزي ، فتأهّب لنوازل عقوبة اللّه بك ، فإن اللّه عليك أوجد « 3 » ، ولما عملت أكره فقد أصبحت وذنوبك عند أمير المؤمنين أعظم من أن يبكّتك « 4 » إلا راتبا بين يديه ، وعنده من يقرّرك « 5 » بها ذنبا ذنبا ، ويبكّتك بما أتيت أمرا أمرا ، فقد نسيته وأحصاه اللّه عليك . ولقد كان لأمير المؤمنين زاجر عنك فيما عرفك به من التسرّع إلى حماقتك ، في غير واحدة ، منها القرشىّ الّذى تناولته بالحجاز ظالما ، فضربك اللّه بالسّوط الذي ضربته « 6 » به ، مفتضحا على رؤوس رعيّتك ، ولعل أمير المؤمنين يعود لك بمثل ذلك ، فإن يفعل فأهله أنت ، وإن يصفح فأهله هو .
هامش
( 1 ) كنى به عن أمه . ( 2 ) مصغر عدو ، والتصغير للتحقير . ( 3 ) أوجد : أغضب ، أفعل تفضيل من الموجدة ، وهي الغضب . ( 4 ) التبكيت : التفريع ، وراتبا : أي مائلا قائما بين يديه ، من رتب كدخل إذا ثبت قائما . ( 5 ) تقول : أقر فلان بالحق أي اعترف به ، وقررته بالحق حتى أقر به . ( 6 ) روى صاحب الأغانى ( 19 : 60 ) قال : « كان خالد بن عبد اللّه أميرا على مكة ، فأمر رأس الحجبة أن يفتح له الباب وهو ينظر ، فأبى فضربه مائة سوط ، فخرج الشيبى إلى سليمان بن عبد الملك يشكوه ، فصادف الفرزدق بالباب ، فاسترفده ( أي استعانه ) فلما أذن للناس ودخلا ، شكا الشيبى ما لحقه من خالد ، ووثب الفرزدق فأنشأ يقول :سلوا خالدا ( لا أكرم اللّه خالدا ) * متى وليت قسر قريشا تدينها ؟ أقبل رسول اللّه أم ذاك بعده ؟ * فتلك قريش قد أغث سمينها رجونا هداه ( لا هدى اللّه خالدا ) * فما أمه بالأم يهدى جنينهافحمى سليمان وأمر بقطع يد خالد ، وكان يزيد بن المهلب عنده ، فما زال يفديه ويقبل يده حتى أمر بضربه مائة سوط » وللفرزدق فيه أهاج منها قوله :وكيف يؤم المسلمين ، وأمه * تدين بأن اللّه ليس بواحد
جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 348 | أحمد زكي صفوت