تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
عنك ، رأى في معاجلتك بالعقوبة رأيه . إن النّعمة إذا طالت بالعبد ممتدّة أبطرته ، فأساء حمل الكرامة ، واستقلّ العافية ، ونسب ما في يديه إلى حيلته وحسبه وبيته ورهطه وعشيرته ، فإذا نزلت به الغير « 1 » ، وانكشطت عنه عماية الغىّ والسّلطان ، ذلّ منقادا ، وندم حسيرا ، وتمكّن منه عدوّه قادرا عليه ، قاهرا له ، ولو أراد أمير المؤمنين إفسادك ، لجمع بينك وبين من شهد فلتات خطلك ، وعظيم زللك ، حيث تقول لجلسائك : « واللّه ما زادتنى ولاية العراق شرفا ، ولا ولّانى أمير المؤمنين شيئا لم يكن من قبلي ممن هو دونى يلي مثله » ولعمري لو ابتليت ببعض مقاوم « 2 » الحجّاج في أهل العراق في تلك المضايق التي لقى ، لعلمت أنك رجل من بجيلة « 3 » ، فقد خرج عليك أربعون رجلا فغلبوك على بيت مالك وخزائنك ، حتى قلت : أطعموني « 4 » ماء ! دهشا وبعلا « 5 » وجبنا ، فما استطعتهم إلا بأمان ، ثم أخفرت « 6 » ذمّتك ؛ منهم رزين وأصحابه ، ولعمري أن لو حاول أمير المؤمنين مكافأتك بخطلك في مجلسك ، وجحودك فضله إليك ، وتصغير ما أنعم به عليك ، فحلّ العقدة ، ونقض الصّنيعة ، وردّك إلى منزلة أنت أهلها ، كنت لذلك مستحقّا .
هامش
( 1 ) الغير : حوادث الدهر . وانكشطت : ذهبت وانكشفت . ( 2 ) مقاوم : جمع مقام بالفتح . ( 3 ) يلقب خالد بن عبد اللّه بالقسرى نسبة إلى قسر بن عبقر وهي بطن من بجيلة ، وسيأتي أن هشاما كتب إليه من رسالة يقول : « كيف لا تكون إمرة العراق لك شرفا ، وأنت من بجيلة القليلة الذليلة ؟ » . ( 4 ) وذلك أنه خرج عليه المغيرة بن سعيد بالكوفة سنة 119 في عشرين أو أربعين رجلا : وعرف بذلك وهو على المنبر فدهش وتحير فقال : أطعموني ماء . ( 5 ) بعل بالأمر كفرح : دهش وفرق وبرم فلم يدر ما يصنع . ( 6 ) أي غدرت ونقضت عهدك ، وذلك أنه أمر بأطنان قصب ونفط فأحضرا ( والأطنان جمع طن بالضم وهو الحزمة من القصب ) ثم أمر المغيرة أن يتناول طنا فكع عنه ( أي ضعف ) وتأنى ، وصبت السياط على رأسه ؛ فتناول طنا فاحتضنه فشد عليه ، ثم صب عليه وعلى الطن نفط ، ثم ألهبت فيهما النار فاحترقا ، وكذا فعل بأصحابه - انظر تاريخ الطبري ج 8 : ص 241 .