تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 267

مساهمون:

ص٢٦٧
بلايا وسيئات لم يكن له عنها محيص « 1 » ولا دونها مقصّر بالقدر السابق ، والعلم النافذ في محكم الوحي ، فإن يعف ويصفح فذلك ما عرف منه قديما ، ونسب إليه حديثا ، وتلك صفته التي وصف بها نفسه في كتابه الصادق ، وكلامه الناطق ، وإن يعاقب وينتقم ، فبما قدّمت يداه ، وما اللّه بظلّام للعبيد ، وأنى أحرّج « 2 » على من قرأ عهدي هذا وسمع ما فيه من حكمة أن ينتهى إليه في أمره ونهيه ، باللّه العظيم ، وبمحمد رسوله الكريم ، صلى اللّه عليه وسلم ، وأن يدع الإحن المضغنة « 3 » ويأخذ بالمكارم المدجنه « 4 » ويرفع يديه إلى السماء بالابتهال الصحيح ، والدعاء الصّريح « 5 » ، يسأله العفو عنى والمغفرة لي والنجاة من فزعى والمسألة في قبرى ، نملّ الودود أن يجعل منكم مجاب الدعوة بما علىّ من صفحه يعود ، إن شاء اللّه . وأن ولىّ عهدي فيكم وصاحب أمرى بعد موتى في جندي ورعيتي وخاصّتى وعامّتى وكلّ من استخلفنى اللّه عليه واسترعانى النظر فيه الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ابن عمى لما بلوت من باطن أمره وظاهره ، ورجوت اللّه بذلك ، وأردت رضاه ورحمته إن شاء اللّه ، ثم ليزيد بن عبد الملك من بعده ، فإني ما رأيت منه إلا خيرا ، ولا اطّلعت له على مكروه ، وصغار ولدى وكبارهم إلى عمر ، إذ رجوت ألّا يألوهم رشدا وصلاحا ، واللّه خليفتي عليهم ، وعلى جماعة المؤمنين والمسلمين ، وهو أرحم الراحمين ، وأقرأ عليكم السلام ورحمة اللّه ، ومن أبى عهدي هذا وخالف أمرى فالسيف ، ورجوت أن لا يخالفه أحد ، ومن خالفه فهو ضالّ مضلّ يستعتب « 6 » ، فإن أعتب وإلّا فالسيف ، واللّه المستعان ولا حول ولا قوة إلا باللّه القديم الإحسان » . ( الإمامة والسياسة 2 : 80 ، وصبح الأعشى 9 : 360 )
هامش
( 1 ) في صبح الأعشى : « لم يكن له عنها محيد ولا بد ، جرى بها المقدور من الرب ، النافذ إلى إتمام ما حد ، فإن يعف . . . » . ( 2 ) التحريج : التضييق . ( 3 ) الإحن : جمع إحنة ، وهي الحقد والمضغنة : المسببة للضغينة . ( 4 ) المدجنة : أي الثابتة الملازمة ، من أدجن إذا أقام في بيته ولزمه . ( 5 ) وفي صبح الأعشى : « ويرفع يديه إلى اللّه بالضمير النصوح ، والدعاء الصحيح . والصفح الصريح . . . » . ( 6 ) أي تطلب إليه العتبى ( كحبلى ) وهي الرجوع عن الذنب والإساءة ، وأعتبنى فلان : ترك ما كنت أجد عليه من أجله ، ورجع إلى ما أرضاني عنه بعد إسخاطه إياي عليه .