بمعرفة غيره ونقماته وسطواته على من خالف سبيله ، وعمد إلى غير محجّته « 1 » ، ونزل عند سخطته .
وأظنّك أردت أن تروزه « 2 » بها ؛ لتعلم ما عنده من التغيير والنكير فيها ، فإن سوّغتها « 3 » مضيت قدما ، وإن غصصت بها ولّيت دبرا ، فعليك لعنة اللّه من عبد أخفش « 4 » العينين ، أصكّ الرّجلين ، ممسوح الجاعرتين ، وأيم اللّه لو أن أمير المؤمنين علم أنك اجترمت منه جرما ، وانتهكت له عرضا فيما كتب به إلى أمير المؤمنين ، لبعث إليك من يسحبك ظهرا لبطن ، حتى ينتهى بك إلى أنس بن مالك ، فيحكم فيك بما أحبّ ، ولن يخفى على أمير المؤمنين نبؤك « 5 » ، ولكلّ نبإ مستقرّ وسوف تعلمون » .
قال إسماعيل : فانطلقت إلى أنس فلم أزل به حتى انطلق معي إلى الحجاج ، فلما دخلنا عليه قال : يغفر اللّه لك أبا حمزة ، عجلت باللّائمة ، وأغضبت علينا أمير المؤمنين ! ثم أخذ بيده ، فأجلسه معه على السرير ، فقال أنس : إنك كنت تزعم أنّا الأشرار ! واللّه سمّانا الأنصار ، وقلت : إنّا من أبخل الناس ! واللّه يقول فينا :
« وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
« 6 »
»
وزعمت أنّا أهل نفاق ! واللّه تعالى يقول فينا :
« وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ ، وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا »
. فكان المخرج والمشتكى في ذلك
هامش
( 1 ) المحجة : جادة الطريق ، وفي العقد الفريد « محبته » .
( 2 ) رازه روزا : جربه ، وفي غرر الخصائص : « وركبت داهية دهماء أردت أن تروزنى بها ، فإن سوغتكها مضيت قدما ، وإن لم أفعل رجعت القهقرى » .
( 3 ) يقال : سوغه ما أصاب : أي تركه له خالصا ، والمعنى : فإن أقرك على ما قد فعلت .
( 4 ) وصف من الخفش بالتحريك : وهو ضيق في العين وضعف في البصر خلقة ، والأصك : وصف من من الصكك بالتحريك : وهو أن تضرب إحدى الركبتين الأخرى عند العدو فتؤثر فيها أثرا ، ومصك أيضا كمقص ، والجاعرتان : لحمتان تكتنفان أصل الذنب ، وهما من الإنسان في موضع رقمتى لحمار ( ويقال للنكتتين السوداوين على عجز الحمار : الرقمتان ) .
( 5 ) وفي غرر الخصائص : فإذا أتاك كتابي هذا فكن لأنس أطوع من عبد لسيده ، وإلا أصابك منى سهم مثكل ، ولكل نبأ . . . الخ » .
( 6 ) الخصاصة : الحاجة والفقر .