تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
بعد أن نقبت صفحته بطىّ المراحل ، وسير الهجير ، وإني معلمك من خبره غير مقصّر ولا مطيل : إن القوم استطالوا مدّته ، واستقلّوا ناصره ، واستضعفوه في بدنه ، وأمّلوا بقتله بسط أيديهم فيما كان قبضه عنهم ، واعصوصبوا « 1 » عليه ، فظلّ محاصرا قد منع من صلاة الجماعة ، وردّ المظالم ، والنظر في أمور الرعية ، حتى كأنه هو فاعل لما فعلوه ، فلما دام ذلك أشرف عليهم ، فخوّفهم اللّه وناشدهم وذكّرهم مواعيد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وقوله فيه « 2 » ، فلم يجحدوا فصله ولم ينكروه ، ثم رموه بأباطيل اختلقوها ليجعلوا ذلك ذريعة إلى قتله ، فأظهر لهم التوبة مما كرهوا ، ووعدهم الرّجعة إلى ما أحبوا ، فلم يقبلوا ذلك ، ونهبوا داره ، وانتهكوا حرمته ، ووثبوا عليه فسفكوا دمه ، وانقشعوا « 3 » عنه انقشاع سحابة قد أفرغت ماءها ، منكفئين قبل ابن أبي طالب انكفاء الجراد أبصر المرعى ، فأخلق ببنى أمية أن يكونوا من هذا الأمر بمجرى
هامش
( 1 ) من اعصوصبت الإبل : أي اجتمعت . ( 2 ) ورى الطبري قال : « أشرف عليهم عثمان رضى اللّه عنه ذات يوم ، فقال : أنشدكم باللّه هل علمتم أنى اشتريت رومة من مالي يستعذب بها ( ورومة بالضم : بئر بالمدينة ) فجعلت رشائى منها كرشاء رجل من المسلمين ؟ قيل : نعم ، قال : فما يمنعني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر ؟ قال : أنشدكم اللّه هل علمتم أنى اشتريت كذا وكذا من الأرض فزدته في المسجد ؟ قيل : نعم ، قال : فهل علمتم أحدا من الناس منع أن يصلى فيه قبلي ؟ قال : أنشدكم اللّه هل سمعتم نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلم يذكر كذا وكذا ، أشياء في شأنه . . . الخ » - ج 5 : ص 125 . وروى ابن الأثير في أسد الغابة ( ج 3 . ص 380 ) قال : « أشرف عثمان من القصر وهو محصور فقال : أنشد باللّه ، من سمع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم حراء إذ اهتز الجبل فركله برجله ، ثم قال : اسكن حراء ، ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ، وأنا معه ، فانتشد له رجال ، ثم قال : أنشد باللّه ، من شهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم بيعة الرضوان ، إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة ، قال : هذه يدي وهذه يد عثمان ، فبايع لي ؟ فانتشد له رجال ، قال : أنشد اللّه ، من شهد رسول اللّه قال : من يوسع هذا البيت في المسجد ببيت له في الجنة ؟ فابتعته من مالي فوسعت به في المسجد ، فانتشد له رجال ، ثم قال : وأنشد باللّه ، من شهد رسول اللّه يوم جيش العسرة قال : من ينفق اليوم نفقة متقبلة ؟ فجهزت نصف الجيش من مالي ، فانتشد له رجال ، قال : وأنشد باللّه ، من شهد رومة يباع ماؤها من ابن السبيل ، فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل ؟ فانتشد له رجال » . ( 3 ) أي تفرقوا .