والدنيا عنده كيوم حان انسلاخه ، اعزبى « 1 » عنى ، فو اللّه لا أذلّ لك فتستذلّينى ، ولا أسلس لك فتقودينى ، وأيم اللّه يمينا أستثنى فيها بمشيئة اللّه ، لأروضنّ نفسي رياضة تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوما ، وتقنع بالملح مأدوما ، ولأدعنّ مقلتى كعين ماء نضب « 2 » معينها ، مستفرغة دموعها .
أتمتلئ السائمة من رعيها « 3 » فتبرك ، وتشبع الرّبيضة من عشبها فتربض ، ويأكل علىّ من زاده فيهجع ؟ قرّت إذن عينه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة « 4 » ، والسّائمة المرعيّة !
طوبى لنفس أدّت إلى ربها فرضها ، وعركت بجنبها بؤسها « 5 » ، وهجرت في الليل غمضها ، حتى إذا غلب الكرى عليها ، افترشت أرضها ، وتوسّدت كفّها ، في معشر أسهر عيونهم خوف معادهم ، وتجافت عن مضاجعهم جنوبهم ، وهمهمت « 6 » بذكر ربهم شفاههم ، وتقشّعت بطول استغفارهم ذنوبهم أولئك حزب اللّه ، ألا إنّ حزب اللّه هم المفلحون .
فاتق اللّه يا بن حنيف ، ولتكفك أقراصك ، ليكون من النار خلاصك » .
( نهج البلاغة 2 : 50 )
326 - كتاب معاوية إلى الزبير بن العوام
وكان أول الأحداث في خلافة الإمام على ، أن السيدة عائشة وطلحة والزبير ومن تبعهم خرجوا إلى البصرة يطلبون بدم عثمان رضى اللّه عنه .
هامش
( 1 ) عرب كدخل : بعد ، وسلس كتعب : لان وسهل قياده .
( 2 ) نضب الماء كدخل : غار .
( 3 ) الرعى : الكلأ ، والربيضة : الغنم برعاتها المجتمعة في مرابضها ، وربضت الغنم ( كجلس ) كبركت الإبل .
( 4 ) الهاملة : السارحة بغير راع .
( 5 ) أي صبرت على بؤسها والمشقة التي تنالها ، يقال عرك فلان بجنبه الأذى : أي صبر عليه كأنه حكه حتى عفاه الغمض : النوم وكذا الكرى .
( 6 ) الهمهمة : الكلام الخفي ، وترديد الصوت في الصدر . تقشعت : انكشفت وزالت كما يتقشع السحاب