آثارها ، وتغيب أخبارها ، وحفرة لو زيد في فسحتها ، وأوسعت يدا حافرها ، لأضغطها الحجر والمدر ، وسدّ فرجها التراب المتراكم ، وإنما هي نفسي أروضها « 1 » بالتقوى ، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر ، وتثبّت على جوانب المزلق .
ولو شئت لا هتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل . ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القزّ ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعى « 2 » إلى تخير الأطعمة ، ولعلّ بالحجاز وباليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشّبع ، أو أبيت مبطانا وحولى بطون غرثى ، وأكباد حرّى ، أو أكون كما قال القائل :
وحسبك عارا أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ « 3 »
أأقنع من نفسي بأن يقال : هذا أمير المؤمنين ، ولا أشاركهم في مكاره الدهر ، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش « 4 » ؟ فما خلقت ليشغلنى أكل الطيّبات .
كالبهيمة المربوطة ، همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقمّمها « 5 » ، تكترش من أعلافها ، وتلهو عما يراد بها ، أو أترك سدّى وأهمل عابثا ، أو أجرّ حبل الضلالة ، أو أعتسف طريق المتاهة « 6 » .
هامش
( 1 ) أروضها : أذللها ، والمزلق : أي الموضع الذي يخشى فيه الزلق والزلل وهو الصراط .
( 2 ) الجشع : شدة الحرص ، والمبطان : الذي لا يزال عظيم البطن من كثرة الأكل ، وغرثى :
جائعة ، مؤنث غرثان ، وفعله كفرح ، وحرى : عطشى ، مؤنث حران وفعله كظل ، وروى « ولو شئت لاهتديت إلى هذا العسل المصفى ، ولباب هذا البر المنقى ، فضربت هذا بذاك حتى ينضج وقودا ، ويستحكم معقودا » وروى « ولعل بالمدينة يتيما تربا ، يتضور سغبا ، أبيت مبطانا وحولى بطون غرثى . إذن يحضرني يوم القيامة وهم من ذكر وأنثى » - والترب كفرح : الفقير ، والتضور التلوى من وجع الجوع ، والسغب كسبب وشمس : الجوع .
( 3 ) البطنة : الكظة بالكسر ، وذلك أن يمتلئ الانسان من الطعام امتلاء شديدا ، والقد بالكسر الشئ المقدود : أي المقطوع ، من قده قدا بالفتح إذا قطعه ، والقدة بالكسر : القطعة من الشئ . والمعنى أنها تحن إلى كسرة من خبز أو فلذة من لحم . . . ، والبيت لحاتم بن عبد اللّه الطائي .
( 4 ) الأسوة بالضم والكسر : القدوة ، والجشوبة : الخشونة
( 5 ) نقممها : أي تتبعها القمامات . أي الكناسات والتقاطها ، أو أكلها ما بين يديها بمقمتها والمقمة ( كمكنسة وتفتح ) لذوات الظلف كالثور : الشفة ، وتكترش : أي تملأ كرشها .
( 6 ) اعتسف : ركب الطريق على غير هدى ، والمتاهة : الأرض يتاه فيها .