قد اكتفى من دنياه بطمريه « 1 » ، ومن طعمه بقرصيه ، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ، ولكن أعينوني بورع واجتهاد ، وعفّة وسداد ، فو اللّه ما كنزت من دنياكم تبرا ، ولا ادّخرت من غنائمها وفرا ، ولا أعددت لبالى ثوبي طمرا « 2 » ، ولا حزت من أرضها شبرا ، ولا أخذت منها إلّا كقوت أتان دبرة « 3 » ، ولهى في عيني أوهى وأهون من عفصة مقرة ، بلى كانت في أيدينا « فدك « 4 » » من كل ما أظلّته السماء فشحّت عليها نفوس قوم « 5 » ، وسخت عنها نفوس قوم آخرين ، ونعم الحكم اللّه ، وما أصنع بفدك وغير فدك ؟ والنفس مظلّتها في غد جدث « 6 » ، تنقطع في ظلمته
هامش
( 1 ) الطمر : الثوب الخلق البالي ، والطعم : الطعام ، وروى « قد اكتفى من الدنيا بطمريه ، وسد فورة جوعه بقرصيه ، لا يطعم الفلذة في حوليه إلا في يوم أضحيته » - والفلذة بالكسر : القطعة من اللحم .
والتبر : فتات الذهب والفضة قبل أن يصاغا ، والوفر : المال الكثير الواسع .
( 2 ) يقسم أنه ما أعد ثوبا باليايلبسه بدلا عن ثوبه الذي يبلى ، فضلا عن أن يعد ثوبا قشيبا جديدا كما يفعل الناس .
( 3 ) هي التي عقر ظهرها فقل أكلها ، أو هي أضعف . وأهون : أخس . والعفص :
الذي يتخذ منه الحبر ، ويدبغ به ، ومقرة : أي مرة ، مقر الشئ بالكسر وأمقر : صار مرا .
( 4 ) فدك : قرية بخيبر فيها عين ونخل كثير ، بينها وبين المدينة يومان ، أفاءها اللّه على رسوله صلى اللّه عليه وسلم سنة سبع صلحا ، فكانت خالصة له ينفق ما يأتيه منها في أبناء السبيل ، فلما قبض عليه الصلاة والسلام جاءت فاطمة رضى اللّه عنها أبا بكر رضى اللّه عنه تطلب ميراثها من أبيها ، وهو أرضه من فدك وسهمه من خيبر ، فقال لها أبو بكر : أما إني سمعت رسول اللّه يقول : نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة ، إنما يأكل آل محمد من هذا المال ، وإني واللّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللّه يصنعه إلا صنعته ، فهجرته فاطمة فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت ، وروى أنه قال لها : سمعت رسول اللّه يقول :
إنما هي طعمة أطعمنيها اللّه تعالى حياتي ، فإذا مت فهي بين المسلمين . وروى أيضا أنها قالت له : إن رسول اللّه جعل لي فدك فأعطني إياها ، وشهد لها علي بن أبي طالب رضى اللّه عنه ، فسألها شاهدا آخر ، فشهدت لها أم أيمن مولاة رسول اللّه ، فقال : قد علمت يا بنت رسول اللّه أنه لا يجوز إلا شهادة رجلين أو رجل وامرأتين ، فانصرفت ، كما روى أيضا أن فاطمة سألت أباها أن يهبها لها ، فأبى وقال : ما كان لك أن تسألينى ، وما كان لي أن أعطيك ، ثم أدى اجتهاد عمر لما ولى الخلافة وفتحت الفتوح واتسعت على المسلمين أن يردها إلى ورثة رسول اللّه ، فكان على والعباس بن عبد المطلب يتنازعان فيها ، فكان على يقول :
إن رسول اللّه جعلها في حياته لفاطمة ، وكان العباس يأبى ذلك ويقول : هي ملك رسول اللّه وأنا وارثه ، فكانا يتخاصمان إلى عمر فيأبى أن يحكم بينهما ويقول : أنتما أعرف بشأنكما ، أما أنا فقد سلمتها إليكما ، وسنعود إلى استيفاء الكلام في هذا الموضوع في الجزء الثاني في ( خلافة عمر بن عبد العزيز ) إن شاء اللّه .
( 5 ) يعنى العباس كما تقدم لك ، وسخت عنها : أي أغصت وسامحت ، يعنى نفسه .
( 6 ) مظان جمع مظنة : وهي الموضع الذي يظن فيه وجود الشئ ، والجدث : القبر ، والمدر : قطع الطين اليابس ، وضغطه : زحمه وعصره وضيق عليه ، وأضغطها الحجر : أي جعلها ضاغطة للميت عاصرة له