تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة رسائل العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
ما جاءك منهم ، فإن اللّه منهم برئ ، ومن برئ اللّه منه كان قمنا « 1 » أن لا تنفعه كثرة ، وأن يكله اللّه إلى نفسه ويخذله ، ولا توحشك قلة المسلمين في المشركين « 2 » فإن اللّه معك ، وليس قليلا من كان اللّه معه ، فأقم بمكانك الذي أنت به حتى تلقى عدوك وتناجزهم ، وتستظهر باللّه عليهم ، وكفى به ظهيرا ووليّا ونصيرا ، وقد فهمت مقالتك : « احتسب أنفس المسلمين إن هم أقاموا ، ودينهم إن هم تفرقوا ، فقد جاءهم ما لا قبل لهم به ، إلا أن يمدّهم اللّه بملائكته ، ويأتيهم بغياث من قبله » وأيم اللّه لولا استثناؤك بهذا لقد كنت أسأت ، ولعمري إن أقام « 3 » لهم المسلمون وصبروا فأصيبوا ، لما عند اللّه خير للأبرار . ولقد قال اللّه عز وجل :
« فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ
« 4 »
وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا » ،
فطوبى « 5 » للشهداء ، وإنّ لمن عقل عن اللّه ممن معك من المسلمين لأسوة بالمصرّعين حول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في مواطنه ، فما عجز الذين قاتلوا في سبيل اللّه ، ولا هابوا الموت في جنب اللّه ، ولا وهن الذين بقوا من بعده ، ولا استكانوا لمصيبتهم ، ولكنهم تأسّوا بهم ، وجاهدوا في اللّه من خالفهم منهم ، وفارق دينهم ، ولقد أثنى اللّه على قوم بصبرهم فقال :
« وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ
« 6 »
كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ، وَما كانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا وَإِسْرافَنا فِي أَمْرِنا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ . فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ »
فأما ثواب الدنيا فالغنيمة والفتح ، وأما ثواب الآخرة فالمغفرة والجنة . واقرأ كتابي هذا على الناس ، ومرهم فليقاتلوا في سبيل اللّه ، وليصبروا كيما يؤتيهم اللّه ثواب الدنيا ، وحسن ثواب الآخرة .
هامش
( 1 ) القمين كأمين ، والقمن ككتف وجبل : الخليق الجدير ( والمحركة لا تثنى ولا تجمع ) . ( 2 ) أي في جنب المشركين . ( 3 ) في الأصل « أقاموا » وهو تحريف . ( 4 ) النحب : الأجل : ( 5 ) الطوبى : الحسنى والخير . ( 6 ) قيل الربيون : العلماء الأتقياء الصبر ، وقيل : الجماعات الكثيرة .