تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 509

مساهمون:

ص٥٠٩
الشدائد ، عالما بما يأتي من النوازل ، يضع الأمور مواضعها ، والطّوارق أماكنها ، قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه ، فإن لم يحكمه ، أخذ منه بمقدار يكتفى به ، يعرف بغريزة عقله ، وحسن أدبه ، وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده ، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدوره ، فيعدّ لكل أمر عدّته وعتاده « 1 » ، ويهيّئ لكل وجه هيئته وعادته ، فتنافسوا ، يا معشر الكتاب ، في صنوف الآداب ، وتفقهوا في الدين ، وابدءوا بعلم كتاب اللّه عزّ وجلّ والفرائص ، ثم العربية ، فإنها ثقاف « 2 » ألسنتكم ، ثم أجيدوا الخطّ ، فإنه حلية كتبكم ، وارووا الأشعار ، واعرفوا غريبها ومعانيها ، وأيام العرب والعجم ، وأحاديثها وسيرها ، فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم ، ولا تضيّعوا النظر في الحساب ، فإنه قوام كتّاب الخراج ، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيّها « 3 » ، ودنيّها ، وسفساف « 4 » الأمور ومحاقرها ، فإنها مدلّة للرّقاب ، مفسدة للكتّاب ، ونزّهوا صناعتكم عن الدّناءات ، واربئوا « 5 » بأنفسكم عن السّعاية والنّميمة ، وما فيه أهل الجهالات ، وإياكم والكبر والصّلف والعظمة ، فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة ، وتحابّوا في اللّه عزّ وجلّ في صناعتكم ، وتواصوا عليها بالذي هو أليق بأهل الفضل والعدل والنّبل من سلفكم وإن نبا الزمان برجل منكم فاعطفوا عليه وواسوه ، حتى يرجع إليه حاله ، ويثوب « 6 » إليه أمره ، وإن أقعد أحدكم الكبر عن مكتبه ولقاء إخوانه ، فزوروه وعظّموه وشاوروه ، واستظهروا « 7 » بفضل تجربته ، وقدم معرفته ، وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه ، أحفظ منه على ولده وأخيه ، فإن عرضت في الشّغل محمدة ، فلا يضيفها إلا إلى صاحبه ، وإن عرضت مذمّة ، فليحملها
هامش
( 1 ) العتاد : العدة . ( 2 ) الثقاف في الأصل : ما تسوى به الرماح . ( 3 ) رفيعها . ( 4 ) الردىء من كل شيء . ( 5 ) ربأ : علا وارتفع . ( 6 ) يرجع . ( 7 ) تقووا .