تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
من الناس ويناظره ، ويفهم عنه أو يخاف سطوته ، أولى بالرفق بصاحبه ومداراته وتقويم وده ، من سائس البهيمة التي لا تحير « 1 » جوابا ، ولا تعرف صوابا ، ولا تفهم خطابا ، إلا بقدر ما يصيّرها إليه صاحبها الراكب عليها ؛ ألا فأمعنوا رحمكم اللّه في النظر ، وأعملوا فيه ما أمكنكم من الرويّة والفكر ، تأمنوا بإذن اللّه ممن صحبتموه النسوة ، والاستثقال والجفوة ، ويصير « 2 » منكم إلى الموافقة ، وتصيروا منه إلى المؤاخاة والشفقة ، إن شاء اللّه تعالى . ولا يجاوزنّ الرجل منكم - في هيئة مجلسه ، وملبسه ، ومركبه ، ومطعمه ، ومشربه ، وبنائه « 3 » وخدمه وغير ذلك من فنون أمره - قدر حقّه ، فإنكم - مع ما فضّلكم اللّه به من شرف صنعتكم - خدمة لا تحملون في خدمتكم على التقصير ، وحفظة لا تحتمل منكم أفعال التضييع والتبذير ، واستعينوا على عفافكم بالقصد في كل ما ذكرته لكم ، وقصصته عليكم ، واحذروا متالف السّرف ، وسوء عاقبة التّرف ، فإنهما يعقبان الفقر ، ويذلّان الرقاب ، ويفصحان أهلهما ، ولا سيما الكتاب ، وأرباب الآداب ، وللأمور أشباه ، وبعضها دليل على بعض ، فاستدلوا على مؤتنف « 4 » أعمالكم بما سبقت إليه تجربتكم ، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجّة ، وأصدقها حجّة وأحمدها عاقبة . واعلموا أن للتدبير آفة متلفة ، وهي الوصف الشاغل لصاحبه عن إنفاذ عمله ورؤيته ، فليقصد الرجل منكم في مجلسه قصد الكافي من منطقه ، وليوجز في ابتدائه وجوابه ، وليأخذ بمجامع حججه ، فإن ذلك مصلحة لفعله ، ومدفعة للتشاغل عن إكثاره ،
هامش
( 1 ) لا ترد . ( 2 ) تأمنوا ؛ مجزوم في جواب الأمر ، أو بعبارة أخرى جواب لشرط محذوف مع فعل الشرط أي إن تعملوا . . . تأمنوا ؛ ومن ثم يجوز في « ويصير » ثلاثة أوجه الجزم ، والنصب والرفع كما هو مشهور . فقول بعضهم : « ولعل ثبوت الياء قبل الراء من زيادة الناسخ » مردود . ( 3 ) بنى على أهله ، وبها بناء ، وابتنى : زفها . ( 4 ) مبتدأ .