تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 478

مساهمون:

ص٤٧٨

451 - خطبة له في سبّ أهل المدينة وتقريعهم

وخطب المدينة ، فحمد اللّه وأثنى عليه ، ثم قال : « يأهل المدينة : ما لي رأيت رسم الدين فيكم ، قيّا ، وآثاره دارسة ، لا تقبلون عظته ولا تفقهون من أهله حجّة ، قد بليت فيكم حدّته ، وانطمست عنكم سنّته ، ترون معروفه منكرا ، والمنكر من غيره معروفا ، إذا انكشفت لكم العبر ، وأوضحت لكم النّذر « 1 » ، عميت عنها أبصاركم ، وصمّت عنها أسماعكم ، ساهين في غمرة ، لاهين في غفلة ، تنبسط قلوبكم للباطل إذا نشر ، وتنقبص عن الحق إذا ذكر ، مستوحشة من العلم ، مستأنسة بالجهل ، كلما وقعت عليها موعظة زادتها عن الحق نفورا ، تحملون قلوبا في صدوركم كالحجارة أو أشد قسوة من الحجارة ، أو لم تلن لكتاب اللّه الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا متصدّعا من خشية اللّه ، يأهل المدينة ، ما تغنى عنكم صحة أبدانكم إذا سقمت قلوبكم ، إن اللّه قد جعل لكل شيء سببا غالبا ينقاد له ، ويطيع أمره ، وجعل القلوب غالبة على الأبدان ، فإذا مالت القلوب ميلا ، كانت الأبدان لها تبعا ، وإن القلوب لا تلين أهلها إلا بصحتها ، ولا يصحّحها إلا المعرفة باللّه ، وقوّة النية ، ونفاذ البصيرة ، ولو استشعرت تقوى اللّه قلوبكم ، لاستعملت في طاعة اللّه أبدانكم ، يأهل المدينة : داركم دار الهجرة ، ومثوى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لمّا نبت به داره ، وضاق به قراره ، وآذاه الأعداء وتجهّمت « 2 » له ، فنقله اللّه إليكم ، بل إلى قوم لعمري لم يكونوا أمثالكم ، متوازرين مع الحق على الباطل ، مختارين الآجل على العاجل ، يصبرون للصّرّاء رجاء ثوابها ، فنصروا اللّه ، وجاهدوا في سبيله ، وآووا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ونصروه ، واتبعوا النّور
هامش
- فأخذ جميعها لنفسه مكابرا محاوبا لربه ، ما تقولون فيه وفيمن عاونه على فعله ؟ يأهل المدينة بلغني أنكم تنتقصون أصحابي . . . الخ » وقد حذفته هنا لوروده في الخطبة السالفة . ( 1 ) النذر : جمع نذير ، وهو المنذر . ( 2 ) تجهمه وتجهم له : استقبله بوجه كريه .