قليلة عقولهم « 1 » ، قد قلدوا أهل بيت من العرب دينهم ، وزعموا أن موالاتهم لهم تغنيهم عن الأعمال الصالحة ، وتنجيهم من عقاب الأعمال السيئة ، قاتلهم اللّه أنّى يؤفكون « 2 » .
فأىّ هؤلاء الفرق يأهل المدينة تتبعون ، أم بأي مذاهبهم تقتدون ؟ وقد بلغني أنكم تنتقصون أصحابي ! قلتم هم شباب أحداث ، وأعراب جفاة ، ويحكم يأهل المدينة ! وهل كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وآله المذكورون في الخير إلا شبابا أحداثا ؟ أما واللّه إني لعالم بتتايعكم فيما يضركم في معادكم ، ولولا اشتغالى بغيركم عنكم ما تركت الأخذ فوق أيديكم شباب واللّه مكتهلون « 3 » في شبابهم ، غضيضة عن الشر أعينهم ، ثقيلة عن الباطل أرجلهم ، أنضاء « 4 » عبادة ، وأطلاح سهر « 5 » ، باعوا أنفسا تموت غدا ، بأنفس لا تموت أبدا ، قد نظر اللّه إليهم في جوف الليل ، منحنية أصلابهم على أجزاء القرآن ، كلما مرّ أحدهم بآية من ذكر الجنة بكى شوقا إليها ، وإذا مرّ بآية من ذكر النار شهق شهقة ، كأن زفير جهنّم بين أذنيه ، قد أكلت الأرض ركبهم وأيديهم وأنوفهم وجباههم ، ووصلوا كلال « 6 » الليل بكلال النهار ، مصفرّة ألوانهم ، ناحلة أجسامهم ، من طول القيام ، وكثرة الصيام ، مستقلون لذلك في جنب اللّه ، موفون بعهد اللّه ، منجزون لوعد اللّه ، حتى إذا رأوا سهام العدو وقد فوّقت « 7 » ، ورماحهم وقد أشرعت « 8 » ، وسيوفهم وقد انتضيت « 9 » ، وبرفت الكتيبة ورعدت بصواعق الموت ، استخفّوا بوعيد الكتيبة لوعيد اللّه ، ولم يستخفوا بوعيد اللّه لوعيد
هامش
( 1 ) وفي البيان والتبيين « جفاة عن القرآن ؛ أتباع كهان » .
( 2 ) أفكه عنه كضرب : صرفه وقلب رأيه .
( 3 ) أي قد أحرزوا رزانة الكهول وسداد رأيهم .
( 4 ) جمع نضو كحمل ، وهو المهزول .
( 5 ) جمع طلح وهو كنضو وزنا ومعنى .
( 6 ) الكلال : التعب والإعياء .
( 7 ) فوق السهم : جعل له فوقا ( بالضم ) وهو موضع الوتر من السهم ؛ أي أعدت للرمى .
( 8 ) سددت .
( 9 ) استلت .