تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 477

مساهمون:

ص٤٧٧
ولا بطرا ، ولا عبثا ، ولا لهوا ، ولا لدولة ملك نريد أن نخوض فيه ، ولا لثأر قديم نيل منا ولكنا لما رأينا مصابيح الحقّ قد أطفئت ، ومعالم العدل قد عطّلت ، وكثر الادّعاء في الدين وعمل بالهوى ، وعنّف القائل بالحق ، وقتل القائم بالقسط ، ضاقت علينا الأرض بما رحبت ، وسمعنا داعيا « 1 » يدعو إلى طاعة الرحمن ، وحكم القرآن ، فأجبنا داعى اللّه ومن لا يجب داعى اللّه فليس بمعجز « 2 » في الأرض ، فأقبلنا من قبائل شتّى ، النفر « 3 » منا على بعير واحد ، عليه زادهم وأنفسهم ، يتعاورون لحافا واحدا ، قليلون مستضعفون في الأرض ، فآوانا اللّه وأيّدنا بنصره ، وأصبحنا واللّه جميعا بنعمته إخوانا ، وعلى الدين أعوانا ، ثم لقينا رجالكم بقديد ، فدعونهم إلى طاعة الرحمن ، وحكم القرآن ، ودعونا إلى طاعة الشيطان ، وحكم مروان وآل مروان ، فشتّان لعمر اللّه ما بين الغىّ والرشد ! ثم أقبلوا يهرعون ويزفّون « 4 » ، قد ضرب الشيطان بجرانه « 5 » ، وغلت بدمائهم مراجله ، وصدّق عليهم إبليس ظنّه ، وأقبل أنصار اللّه عصائب وكتائب ، بكل مهنّد ذي رونق ، فدارت رحانا واستدارت رحاهم بضرب يرتاب منه المبطلون . وأنتم يأهل المدينة إن تنصروا مروان وآل مروان يسحتكم « 6 » اللّه بعذاب من عنده أو بأيدينا ، ويشف صدور قوم مؤمنين ، يأهل المدينة إن أوّلكم خير أول ، وآخركم شرّ آخر ، يأهل المدينة : الناس منا ونحن منهم ، إلا مشركا عابد وثن ، أو كافرا من أهل الكتاب ، أو إماما جائرا أو شادا على عضده ، يأهل المدينة : من زعم أن اللّه تعالى كلّف نفسا فوق طاقتها ، أو سألها ما لم يؤتها ، فهو للّه عدوّ ولنا حرب « 7 » » . ( تاريخ الطبري 9 : 108 ) ، الأغانى 20 : 104 ، وشرح ابن أبي الحديد م 1 ص 458 ، والعقد الفريد 2 : 161 )
هامش
( 1 ) يريد عبد اللّه بن يحيى الكندي . ( 2 ) أي لا يعجز اللّه بالهرب منه فيفوته . ( 3 ) النفر : جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة . ( 4 ) زف الظليم وغيره كضرب زفا وزفيفا وزفوفا ، وأزف : أسرع . ( 5 ) جران البعير : مقدم عنقه من مذبحه إلى منحره : أي استولى عليهم . ( 6 ) أسحته : استأصله . ( 7 ) روى أنه قال عقب ذلك : « يأهل المدينة أخبروني عن ثمانية أسهم فرضها اللّه تعالى في كتابه على القوى ، على حبه للضعيف ، فجاء تاسع ، ليس له منها ولا سهم واحد ،