تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 416

مساهمون:

ص٤١٦

396 - وفود العراق على سليمان بن عبد الملك

وقدمت وفود العراق على سليمان بن عبد الملك بعد ما استخلف ، فأمرهم بشتم الحجاج ، فقاموا يشتمونه ، فقال بعضهم : « إن عدو اللّه الحجاج كان عبدا زبّابا « 1 » ، قنوّر بن قنوّر « 2 » ، لا نسب له في العرب » قال سليمان : أىّ شتم هذا ! إن عدو اللّه
هامش
( 1 ) بائع زبيب ، قيل إنه كان يبيع الزبيب بالطائف ، وذكروا أنه كان أول أمره يعلم الصبيان مع أبيه بالطائف - ويسمى كليبا - وفيه يقول الشاعر :أينسى كليب زمان الهزال * وتعليمه سورة الكوثر ؟رغيف له فلك دائر * وآخر كالقمر الأزهر« يشير إلى خبز المعلمين ، فإنه مختلف في الصغر والكبر على قدر بيوت الصبيان » ويقول آخر :فلو لا بنو مروان كان ابن يوسف * كما كان عبدا من عبيد إيادزمان هو العبد المقر بذله * يروّح صبيان القرى ويغادى« راحهم وروحهم : ذهب إليهم رواحا » ، ثم صار دباغا كما يدل على ذلك هجاء كعب الأشقرى له ، وذلك أن المهلب بن أبي صفرة لما أطال قتال الأزارقة ، كتب إليه الحجاج يستبطئه ويضعفه ويعجزه في تأخير مناجزتهم ، فقال المهلب لرسوله : قل له : إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ، فإن كنت نصبتنى لحرب هؤلاء القوم على أن أديرها كما أرى ، فإن امكنتنى الفرصة انتهزتها ، وإن لم تمكنى فأنا أدبر ذلك بما يصلحه ، وإن أردت منى أن أعمل برأيك وأنت غائب ، فإن كان صوابا فلك ، وإن كان خطأ فعلى ، فابعث من رأيت مكاني » وقام كعب الأشقرى إلى المهلب ، فأنشده بحضرة رسول الحجاج أبياتا منها :إن ابن يوسف غره من غزوكم * خفض المقام بجانب الأمصارلو شاهد الصفين حين تلاقيا * ضاقت عليه رحيبة الأقطارورأى معاودة الدباغ غنيمة * أزمان كان محالف الإقتارفبلغت أبياته الحجاج ، فكتب إلى المهلب يأمره بإشخاص كعب الأشقرى إليه ، فأعلم المهلب كعبا بذلك ، وأوفده إلى عبد الملك من ليلته ، وكتب إليه يستوهبه منه ، فقدم كعب على عبد الملك واستنشده ؛ فأعجبه ما سمع منه ، فأوفده إلى الحجاج ، وكتب إليه يقسم عليه أن يعفو عنه ، فلما دخل عليه قال : إيه يا كعب ، « ورأى معاودة الدباغ غنيمة » ! فقال له : أيها الأمير ، واللّه لقد وددت في بعض ما شاهدته في تلك الحروب وأزماتها ، وما يوردناه المهلب من خطرها ، أن أنجو منها ، وأكون حجاما ، أو حائكا ، فقال له الحجاج : أولى لك ، لولا قسم أمير المؤمنين لما نفعك ما أسمع ، فالحق بصاحبك ، وبعض الرواة ينكر هذا القول ، ويقول : هذه من أكاذيب الشعراء : - انظر الأغانى ج 13 ص 57 ، وسرح العيون ص 112 ، والعقد الفريد 3 : 6 . ( 2 ) القنور : الشرس الصعب من كل شيء ، وكسنور : العبد .