كما لو أصاب الموت ليلى بكيتها * وجاد لها دمع من العين سافح « 1 »
وأغبط من ليلى بما لا أناله * بلى ، كلّ ما قرّت به العين طائح
ولو أن ليلى الأخيلية سلّمت * علىّ ، ودونى جندل وصفائح « 2 »
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا * إليها صدى من جانب القبر صائح « 3 »
فقال : زيدينا من شعره يا ليلى ، قالت : هو الذي يقول :
حمامة بطن الواديين ترنّمى * سقاك من الغرّ الغوادى مطيرها « 4 »
أبينى لنا ، لا زال ريشك ناعما * ولا زلت في خضراء غضّ نضيرها
وكنت إذا ما زرت ليلى تبرقعت * فقد رابني منها الغداة سفورها
وقد رابني منها صدود رأيته * وإعراضها عن حاجتي وبسورها « 5 »
وأشرف بالقور اليفاع لعلّنى * أرى نار ليلى أو يراني بصيرها « 6 »
يقول رجال : لا يضيرك نأيها * بلى ، كلّ ما شفّ النفوس يضيرها
بلى ، قد يضير العين أن تكثر البكا * ويمنع منها نومها وسرورها
وقد زعمت ليلى بأنّى فاجر * لنفسي تقاها ، أو عليها فجورها
فقال الحجاج : يا ليلى ، ما الذي رابه من سفورك ؟ فقالت : أيها الأمير ، كان يلمّ بي كثيرا ، فأرسل إلىّ يوما : إني آتيك ، وفطن الحي ، فأرصدوا له ، فلما أتاني سفرت عن وجهي ، فعلم أن ذلك لشرّ ، فلم يزد على التسليم والرجوع ، فقال : للّه درّك !
هامش
( 1 ) سافح : منصب .
( 2 ) الجندل : الحجارة ، والصفائح : حجارة القبر العراض .
( 3 ) زقا : صاح ، والصدى - وهو الهامة - طائر يخرج من رأس المقتول ، تزعم الأعراب أن روح القتيل تخرج ، فتصير هامة إذا لم يدرك بثأره ، فتصيح على قبره : اسقونى اسقونى حتى يثأر به ، وهذا مثل يراد به تحريض ولى القتيل على طلب دمه ، فجعله جهلة الأعراب حقيقة .
( 4 ) الغوادى : جمع غادية ، وهي السحابة تنشأ غدوة .
( 5 ) بسر كدخل : عبس وكلح .
( 6 ) القور : جمع قارة ، وهي الجبيل الصغير ، المنقطع عن الجبال ، واليفاع : التل .