تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
إذا سمع الحجّاج رزّ كتيبة * أعدّ لها قبل النزول قراها « 1 »
أعدّ لها مسمومة فارسيّة * بأيدي رجال يحلبون صراها « 2 »
فما ولد الأبكار والعون مثله * ببحر ولا أرض يجفّ ثراها « 3 »
قال : فلما قالت هذا البيت ، قال الحجاج : قاتلها اللّه ! واللّه ما أصاب صفتي شاعر مذ دخلت العراق غيرها ، ثم التفت إلى عنبسة بن سعيد ، فقال : واللّه إني لأعدّ للأمر عسى أن لا يكون أبدا ، ثم التفت إليها فقال : حسبك ! قالت : إني قد قلت أكثر من هذا . قال : حسبك ويحك ! حسبك ، ثم قال : يا غلام اذهب إلى فلان فقل له : اقطع لسانها ، فذهب بها ، فقال له : يقول لك الأمير : اقطع لسانها ، فأمر بإحضار الحجّام ، فالتفتت إليه ، فقالت : ثكلتك أمّك ! أما سمعت ما قال ؟ إنما أمرك أن تقطع لساني بالصّلة ، فبعث إليه يستثبته ، فاستشاط الحجاج غضبا ، وهمّ بقطع لسانه ، وقال : ارددها ، فلما دخلت عليه ، قالت : كاد وأمانة اللّه يقطع مقولى ! ثم أنشأت تقول :
حجّاج أنت الذي ما فوقه أحد * إلا الخليفة والمستغفر الصّمد « 4 »
حجّاج أنت شهاب الحرب إن لقحت * وأنت للناس نور في الدّجى يقد « 5 »
ثم أقبل الحجاج على جلسائه ، فقال : أتدرون من هذه ؟ قالوا : لا واللّه أيها الأمير ، إلا أنّا لم نر قطّ أفصح لسانا ، ولا أحسن محاورة ، ولا أملح وجها ، ولا أرصن شعرا منها ، فقال : هذه ليلى الأخيلية ، التي مات توبة الخفاجىّ من حبّها ، ثم التفت إليها فقال : أنشدينا يا ليلى بعض ما قال فيك توبة ، قالت : نعم أيها الأمير هو الذي يقول :
وهل تبكين ليلى إذا متّ قبلها * وقام على قبرى النساء النوائح ؟
هامش
( 1 ) الرز : الصوت تسمعه من بعيد . ( 2 ) الصرى : بقية اللبن . ( 3 ) العون جمع عوان كسحاب ، وهي التي كان لها زوج . ( 4 ) الصمد : الذي يصمد أي يقصد في قضاء الحوائج . ( 5 ) لقحت : أصله من لقحت الناقة أي قبلت اللقاح ، والشهاب : شعلة من نار ساطعة ، ويقد يتوقد .