تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 396

مساهمون:

ص٣٩٦
ظهرت ، ولا لأي هفوة حضرت ، ولكني كرهت شمائلها ، فقطعت عنى حبائلها ، فقال معاوية : وأىّ شمائلها يا أبا الأسود كرهت ؟ قال : يا أمير المؤمنين : إنك مهيّجها علىّ بجواب عتيد « 1 » ، ولسان شديد ، فقال معاوية : لا بدّ لك من محاورتها ، فاردد عليها قولها عند مراجعتها ، فقال أبو الأسود : « يا أمير المؤمنين ، إنها كثيرة الصّخب ، دائمة الذّرب « 2 » ، مهينة للأهل ، مؤذية للبعل ، مسيئة إلى الجار ، مظهرة للعار ، إن رأت خيرا كتمته ، وإن رأت شرّا أذاعته » ، فقالت : « واللّه لولا مكان أمير المؤمنين ، وحضور من حضره من المسلمين ، لرددت عليك بوادر كلامك ، بنوافذ أقرع بها كلّ سهامك « 3 » ، وإن كان لا يجمل بالمرأة الحرة أن تشتم بعلا ، ولا أن تظهر لأحد جهلا » ، فقال معاوية : عزمت عليك لما أجبته ، فقالت : « يا أمير المؤمنين ، ما علمته إلا سئولا جهولا ، ملحّا بخيلا « 4 » ، إن قال فشرّ قائل ، وإن سكت فذو دغائل « 5 » ، ليث حين يأمن ، وثعلب حين يخاف ، شحيح حين يضاف « 6 » ، إن ذكر الجود انقمع « 7 » ، لما يعرف من قصر رشائه « 8 » ، ولؤم آبائه ، ضيفه جائع ، وجاره ضائع ، لا يحفظ جارا ولا يحمى ذمارا ، ولا يدرك ثارا ، أكرم الناس عليه من أهانه ، وأهونهم عليه من أكرمه » ، فقال معاوية : سبحان اللّه لما تأتى به هذه المرأة من السجع ! فقال
هامش
( 1 ) حاضر مهيأ . ( 2 ) الصخب : شدة الصوت ، والذرب : حدة اللسان وبذاءته . ( 3 ) البوادر : جمع بادرة ، وهي ما يبدو من حدتك في الغضب من قول أو فعل ، بنوافذ أي بحجج نافذة ماضية ، وكل السيف وغيره فهو كل وكليل : لم يقطع . ( 4 ) وكان أبو الأسود معروفا بالبخل . ومن طريف ما يروى عنه أن رجلا قال له : « أنت واللّه ظرف لفظ ، وظرف علم ، ووعاء حلم ، غير أنك بخيل » فقال : « وما خير ظرف لا يمسك ما فيه ؟ » وسلم عليه أعرابي يوما ، فقال أبو الأسود : كلمة مقولة ، فقال له : أتأذن في الدخول ؟ قال : وراءك أوسع لك ، قال : فهل عندك شيء ؟ قال : نعم ، قال : أطعمني ، قال : عيالي أحق منك ، قال : ما رأيت ألأم منك ! قال : نسيت نفسك . « أمالي المرتضى 1 : 214 » . ( 5 ) دغائل : جمع دغيلة كسفينة . والدغيلة والدغل بالتحريك : دخل في الأمر مفسد . ( 6 ) ضافه يضيفه : نزل عليه ضيفا . ( 7 ) انقمع : دخل البيت مستخفيا . ( 8 ) الرشاء في الأصل . الحبل .