عن سحابة جفل « 1 » لا ماء فيها ، وعمّا قليل تصيّرها الرياح قزعا « 2 » ، والذي يدلّنى على ضعفه تهدّده قبل القدرة ، أفمن إشفاق علىّ تنذر وتعذر ؟ كلا ، ولكن ذهب إلى غير مذهب ، وقعقع « 3 » لمن روى بين صواعق تهامة « 4 » ، كيف أرهبه وبيني وبينه ابن بنت رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله ، وابن ابن عمه في مائة ألف من المهاجرين والأنصار ؟
واللّه لو أذن لي فيه أو ندبنى إليه ، لأرينّه الكواكب نهارا ، ولأسعطنّه « 5 » ماء الخردل دونه ، الكلام اليوم ، والجمع غدا ، والمشورة بعد ذلك إن شاء اللّه » ثم نزل .
( شرح ابن أبي الحديد م 4 ص 68 ، وتاريخ الطبري 6 : 97 )
257 - خطبته وقد بعث معاوية إليه المغيرة بن شعبة يستقدمه
وكتب إلى معاوية يردّ عليه ردّا شديد اللهجة « 6 » ، فغمّ ذلك معاوية وأحزنه ، وأوفد إليه المغيرة بن شعبة بكتاب يتلطّف به فيه ويستدنيه منه ، ويستلحقه بنسب أبيه
هامش
( 1 ) الجفل : السحاب هراق ماءه ومضى .
( 2 ) القزع : قطع من السحاب رقيقة .
( 3 ) القعقعة : صوت الرعد ، وتحريك الشئ اليابس الصلب مع صوت ؛ ومنه « ما يقعقع له بالشنان » وسيأتي تفسيره في خطبة الحجاج .
( 4 ) روى : ارتوى ، والمراد نشأ وترعرع بينها ، ولعله ( ربى ) وذكروا أنه لما نصب الحجاج المجانيق لقتال عبد اللّه بن الزبير ، أظلتهم سحابة فأرعدت وأبرقت وأرسلت الصواعق ، ففزع الناس وأمسكوا عن القتال ، فقام فيهم الحجاج ، فقال : « أيها الناس لا يهولنكم هذا فإني أنا الحجاج بن يوسف ، وقد أصحرت لربى ، فلو ركبنا عظيما لحال بيننا وبينه ، ولكنها جبال تهامة لم تزل الصواعق تنزل بها » .
( 5 ) سعطه الدواء كمنعه ونصره وأسعطه إياه : أدخله في أنفه .
( 6 ) ونص كتابه إليه : « أما بعد ، فقد وصل إلى كتابك يا معاوية ، وفهمت ما فيه ، فوجدتك كالغريق يغطيه الموج فيتشبث بالطحلب ، ويتعلق بأرجل الضفادع طمعا في الحياة ، إنما يكفر النعم ويستدعى النقم من حاد اللّه ورسوله ، وسعى في الأرض فسادا . فأما سبك لي فلو لا حلم ينهانى عنك ، وخوفي أن أدعى سفيها لأثرت لك مخازى لا يغسلها الماء . وأما تعييرك لي بسمية ، فإن كنت ابن سمية فأنت ابن حمامة . وأماز عمك أنك تختطفنى بأضعف ريش وتتناولنى بأهون سعى ، فهل رأيت بازيا يفزعه صغير القنابر ؟ أم هل سمعت بذئب أكله خروف ؟ فامض الآن لطيتك ، واجهد جهدك ، فلست أنزل إلا بحيث تكره ، ولا أجتهد إلا فيما يسوؤك ، وستعلم أينا الخاضع لصاحبه ، الظالع إليه والسلام » .