أبي سفيان « 1 » ، وجعل المغيرة يترفق به ، وينصح له أن يصل حبله بحبله ، ولا يقطع رحمه ، فتريّث زياد يومين أو ثلاثة يروّى في أمره ، ثم جمع الناس ، فصعد المنبر ، فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال :
« أيها الناس : ادفعوا البلاء ما اندفع عنكم ، وارغبوا إلى اللّه في دوام العافية لكم ، فقد نظرت في أمور الناس منذ قتل عثمان ، وفكرّت فيهم فوجدتهم كالأضاحى .
في كل عيد يذبحون ، ولقد أفنى هذان اليومان : يوم الجمل وصفّين ما ينيف على مائة ألف ، كلّهم يزعم أنه طالب حقّ ، وتابع إمام ، وعلى بصيرة من أمره ، فإن كان الأمر هكذا ، فالقاتل والمقتول في الجنة ، كلّا : ليس كذلك ولكن أشكل الأمر ، والتبس على القوم ، وإني لخائف أن يرجع الأمر كما بدا ، فكيف لامرئ بسلامة دينه ، وقد نظرت في أمر الناس ، فوجدت أحمد العاقبتين العافية ، وسأعمل في أموركم ما تحمدون عاقبته ومغبّته ، فقد حمدت طاعتكم إن شاء اللّه » ثم نزل .
وكتب إلى معاوية يستوثق منه « 2 » ، فأعطاه معاوية جميع ما سأله ، وكتب إليه بخط يده ما وثق به ، فدخل إليه الشام ، فقر به وأدناه ، وأقره على ولايته ، ثم استعمله على العراق .
( شرح ابن أبي الحديد م 4 : 69 )
هامش
( 1 ) وكانت ديباجة كتابه إليه : « من أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان إلى زياد بن أبي سفيان » وفيه يقول : « وحملك سوء ظنك بي ، وبغضك لي على أن عققت قرابتي ، وقطعت رحمي ، وبتت نسبى وحرمتي ، كأنك لست أخي ، وليس صخر بن حرب أباك وأبى ! » وفي آخره يقول : « فإن أحببت جانبي ووثقت بي ، فإمرة بإمرة ، وإن كرهت جانبي ، ولم تثق بقولي ، ففعل جميل ، لا على ولا لي والسلام » .
( 2 ) وفي كتابه يقول : « إن كنت كتبت كتابك هذا عن عقد صحيح ، ونية حسنة ، وأردت بذلك برا فستزرع في قلبي مودة وقبولا ، وإن كنت إنما أردت مكيدة ومكرا وفساد نية ، فإن النفس تأبى ما فيه العطب ، ولقد قمت يوم قرأت كتابك مقاما يعيا به الخطيب المدرة ، فتركت من حضر ، لا أهل ورد ، ولا صدر ، كالمتحيرين بمهمه ضل بهم الدليل ، وأنا على أمثال ذلك قدير » .