حتى قلّوا ، فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ « 1 » وقراضة الجلمين ، واتعظوا بمن كان قبلكم ، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم ، فارفضوها ذميمة فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم » .
( البيان والتبيين 2 : 28 ، والعقد الفريد 2 : 141 : ونهج البلاغة 1 : 40 وإعجاز القرآن 213 )
161 - وصيته لابنه يزيد
لما حضرت معاوية الوفاة ، ويزيد غائب ، دعا معاوية مسلم بن عقبة المرّىّ ، والضّحّاك بن قيس الفهرىّ ، فقال : أبلغا عنى يزيد وقولا له :
« يا بنى ، إني قد كفيتك الشّدّ والتّرحال ، ووطّأت لك الأمور ، وذلّلت لك الأعداء وأخضعت لك رقاب العرب ، وجمعت لك ما لم يجمعه أحد ، فانظر أهل الحجاز ، فإنهم أصلك وعترتك « 2 » ، فمن أتاك منهم فأكرمه ، ومن قعد عنك فتعهّده ، وانظر أهل العراق ، فإن سألوك أن تعزل عنهم كل يوم عاملا فافعل ، فإنّ عزل عامل أهون عليك من سلّ مائة ألف سيف ، ثم لا تدرى علام أنت عليه منهم ؟ ثم انظر أهل الشأم ، فاجعلهم الشّعار « 3 » دون الدّثار ، فإن رابك من عدوك ريب ، فارمهم « 4 » بهم ، فإن
هامش
( 1 ) القرظ : ورق السلم أو ثمر السنط يدبغ به ، والجلم : مقراض يجز به الصوف . والقراضة ما يسقط منه عند الجز .
قال الجاحظ : « وفي هذه الخطبة أبقاك اللّه ضروب من العجب . منها أن هذا الكلام لا يشبه السبب الذي من أجله دعاهم معاوية . ومنها أن هذا المذهب - في تصنيف الناس ، وفي الاخبار عنهم ، وعما هم عليه من القهر والإذلال ، ومن التقية والخوف - أشبه بكلام على وبمعانيه ، وبحاله منه بحال معاوية . ومنها أنا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه مسلك الزهاد ، ولا يذهب مذاهب العباد ، وإنما نكتب لكم ونخبر بما سمعناه ، واللّه أعلم بأصحاب الأخبار وبكثير منهم » .
ونسبها الشريف الرضى إلى الإمام على ، وقال هي من كلامه الذي لا يشك فيه .
( 2 ) عترة الرجل : عشيرته الأدنون .
( 3 ) الشعار : الثوب يليس على شعر الجسد ، والدثار :
الذي يلبس فوق الشعار .
( 4 ) الضمير للعدو ، وهو للواحد والجمع ، والذكر والأنثى ، وقد يثنى ويجمع ويؤنث .