تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 186

مساهمون:

ص١٨٦
« أيها الناس : إنا قد أصبحنا في دهر عنود « 1 » ، وزمن شديد « 2 » يعدّ فيه المحسن مسيئا ، ويزداد فيه الظالم عتوّا ، لا ننتفع بما علمناه ، ولا نسأل عما جهلناه ، ولا نتخوف قارعة « 3 » حتى تحلّ بنا ؛ فالناس على أربعة أصناف : منهم من لا يمنعه من الفساد في الأرض إلا مهانة نفسه ، وكلال حدّه ، ونضيض وفره « 4 » ومنهم المصلت « 5 » لسيفه ، المجلب بخيله ورجله ، المعلن بشرّه ، قد أشرط نفسه ، وأوبق دينه ، لحطام ينتهزه « 6 » ، أو مقنب « 7 » يقوده ، أو منبر يفرعه « 8 » ، ولبئس المتجر أن تراهما لنفسك ثمنا ، ومما لك عند اللّه عوضا ، ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ، ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ، قد طامن من شخصه ، وقارب من خطوه ، وشمّر من ثوبه ، وزخرف نفسه للأمانة ، واتخذ ستر اللّه ذريعة للمعصية ، ومنهم من قد أقعده عن طلب الملك ضئولة نفسه ، وانقطاع سببه ، فقصرت به الحال عن أمله . فتحلى باسم القناعة . وتزيّن بلباس الزهاد . وليس من ذلك في مراح ولا مغدى ، وبقي رجال غضّ أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد نافر ، وخائف منقمع « 9 » ، وساكت مكعوم « 10 » ، وداع مخلص ، وموجع ثكلان ، قد أخملتهم التّقيّة « 11 » ، وشملتهم الذّلة ، فهم بحر أجاج « 12 » ، أفواههم ضامزة « 13 » ، وقلوبهم قرحة ، قد وعظوا حتى ملّوا ، وقهروا حتى ذلّوا ، وقتلوا
هامش
( 1 ) جائر . من عند عن الطريق كنصر وسمع وكرم عنودا : إذا مال . ( 2 ) وفي نهج البلاغة : وزمن كنود وهو الكفور . ( 3 ) الداهية التي تقرع أي تصيب . ( 4 ) أي قلة ماله . ( 5 ) أصلت السيف : سله . ( 6 ) هيأها وأعدها ( من الشرط ( محركة ) وهو العلامة ) أي هيأها للفساد في الأرض . وأوبقه : أهلكه . والحطام : المال . وأصله ما تكسر من اليبيس . ( 7 ) المقنب من الخيل : بين الثلاثين إلى الأربعين أو زهاء ثلاثمائة . ( 8 ) يعلوه . ( 9 ) مقهور . ( 10 ) من كعم البعير كمنع : شد فاه لئلا يعض أو يأكل ، وفي البيان والتبيين معكوم ، من عكم المتاع يعكمه : شده بثوب . ( 11 ) التقية : المداراة . ( 12 ) الأجاج : الملح . ( 13 ) ساكتة من ضمز كنصر وضرب : سكت ولم يتكلم . والبعير أمسك جرته في فيه ولم يجتر .
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة — صفحة 186 | أحمد زكي صفوت