ما ركنت إلى الدنيا ، ولا أحببت الحياة فيها ، وما دعاني إلى الخروج إلا الغضب للّه أن تستحل حرمه ، ولكنني أحببت أن أعلم رأيك ، فزدتنى بصيرة مع بصيرتي ، فانظري يا أمه ، فإني مقتول من يومى هذا ، فلا يشتد حزنك ، وسلّمى لأمر اللّه ، فإن ابنك لم يتعمّد إتيان منكر ، ولا عملا بفاحشة ، ولم يجر في حكم اللّه ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به ، بل أنكرته ، ولم يكن شيء آثر عندي من رضا ربى ، اللهم إني لا أقول هذا تزكية منى لنفسي - أنت أعلم بي - ولكن أقوله تعزية لأمى لتسلو عنى ، فقالت أمه : إني لأرجو من اللّه أن يكون عزائي فيك حسنا إن تقدّمتنى ، وإن تقدمتك ففي نفسي حرج حتى أنظر إلام يصير أمرك . قال : يا أمه جزاك اللّه خيرا ! فلا تدعى الدعاء لي قبل وبعد ، فقالت :
لا أدعه أبدا ، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق ، ثم قالت : « اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النّحيب والظمأ في هواجر المدينة ومكة ، وبرّه بأبيه وبي ، اللهم قد سلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبنى في عبد اللّه ثواب الصابرين الشاكرين » . ثم ودّعها وخرج .
( تاريخ الطبري 7 : 202 ، والفخري 111 ، والعقد الفريد 2 : 271 ، وبلاغات النساء ص 130 )
151 - خطبته يوم قتله
وخرج من عندها فصعد المنبر ، فحمد اللّه ، وأثنى عليه ، ثم قال :
« أيها الناس ، إن الموت قد تغشّاكم سحابه ، وأحدق بكم ربابه « 1 » ، واجتمع بعد تفرّق ، وارجحنّ بعد تمشّق « 2 » ، ورجس « 3 » نحوكم رعده ، وهو مفرغ عليكم ودقه « 4 »
هامش
( 1 ) الرباب : السحاب الأبيض .
( 2 ) ارجحن : مال من ثقله واهتز ، وتمشق ثوبه : تمزق .
( 3 ) رجست السماء : رعدت شديدا وتمخضت .
( 4 ) الودق : المطر .