من كان الباطل معه ، وإن كان معه الأنام طرّا « 1 » ، ولم يذلّ من كان الحق معه وإن كان مفردا ضعيفا ؛ ألا وإنه قد أتانا خبر من العراق ، بلد الغدر والشقاق ، فساءنا وسرّنا ، أتانا أن مصعبا قتل رحمة اللّه عليه ومغفرته ؛ فأما الذي أحزننا من ذلك ، فإن لفراق الحميم لذعة ولوعة يجدها حميمه عند المصيبة ، ثم يرعوى من بعد ذو الرأي والدين إلى جميل الصبر ، وكريم العزاء . وأما الذي سرّنا منه فإنا قد علمنا أن قتله شهادة له ، وأنه عزّ وجلّ جاعل لنا وله في ذلك الخيرة إن شاء اللّه تعالى .
أسلمه الطّغام « 2 » ، الصّمّ الآذان ، أهل العراق ، إسلام النّعم المخطّمة « 3 » ، وباعوه بأقل من الثمن الذي كانوا يأخذون منه ، فإن يقتل فقد قتل أبوه وعمه وأخوه « 4 » ، وكانوا الخيار الصالحين ، إنا واللّه لا نموت حتف آنافنا « 5 » ، ولكنّ قعصا « 6 » بالرماح ،
هامش
( 1 ) جميعا .
( 2 ) الأوغاد .
( 3 ) خطم البعير بالخطام : جعله على أنفه ، والخطام ككتاب :
ما وضع في أنف البعير ليقتاد به .
( 4 ) بعد أن اعتزل الزبير بن العوام أصحاب الجمل ، انصرف إلى وادى السباع ، وقد تبعه عمرو بن جرموز فقتله في الصلاة ، ويعنى بعمه عبد الرحمن بن العوام بن خويلد ، وقد استشهد يوم اليرموك ، وفي رواية « وابن عمه » ويعنى به عبد اللّه بن عبد الرحمن بن العوام ، وقد قتل يوم الدار « انظر أسد الغابة 3 : 213 » .
وأما أخوه فهو المنذر بن الزبير ، وذلك أن جيش يزيد بعد أن أوقع بأهل المدينة في وقعة الحرة كما قدمنا ، سار إلى مكة لغزو ابن الزبير ، فقال لأخيه المنذر : ما لهذا الأمر ولدفع هؤلاء القوم غيرى وغيرك - وكان أخوه المنذر ممن شهد الحرة . ثم لحق به - فجرد إليهم أخاه في الناس ، فقاتلهم ساعة قتالا شديدا ، ثم إن رجلا من أهل للشأم دعا المنذر إلى المبارزة ، فخرج إليه ، فضرب كل واحد منهما صاحبه ضربة خر صاحبه لها ميتا . وكان مقتله سنة 64 ه - تاريخ الطبري 7 : 14 - .
( 5 ) الحتف : الموت ، ويقال مات حتف أنفه : أي على فراشه من غير قتل ، ولا ضرب ، ولا غرق ، ولا حرق ، وخص الأنف لأنه أراد أن روحه تخرج من أنفه بتتابع نفسه ، أو لأنهم كانوا يتخيلون أن المريض تخرج روحه من أنفه ، والجريح من جراحته .
( 6 ) القعص : الموت الوحي ( أي السريع كغنى ) ومات قعصا : أصابته ضربة ، أو رمية فمات مكانه ، وفي الكامل ، وعيون الأخبار : « إنا واللّه ما نموت حبجا » وزاد الكامل « كميتة آل أبي العاص » والحبج محركة : انتفاخ بطن البعير من أكل لحاء العرفج ( كجعفر ) ، وربما قتله ذلك ، يعرض ببنى مروان لكثرة أكلهم وإسرافهم في ملاذ الدنيا ، وأنهم يموتون بالتخمة .