« إن أبا ذبّان « 1 » ، قتل لطيم الشيطان « 2 » ، كذلك نولّى بعض الظّالمين بعضا بما كانوا يكسبون » . ( البيان والتبيين 2 : 47 )
150 - عبد اللّه بن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر
دخل ابن الزبير على أمه أسماء بنت أبي بكر ، في اليوم الذي قتل فيه ، وقد رأى من الناس ما رأى من خذلانهم ، فقال :
يا أمّه : خذلنى الناس حتى ولدى « 3 » وأهلي ، فلم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة ، والقوم يعطوننى ما أردت من الدنيا ، فما رأيك ؟
فقالت : أنت واللّه يا بنى أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم أنك على حق وإليه تدعو فامض له ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكّن من رقبتك يتلعّب بها غلمان بنى أمية ، وإن كنت إنما أردت الدنيا ، فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك ، وأهلكت من قتل معك ، وإن قلت كنت على حق ، فلما وهن أصحابي ضعفت ، فهذا ليس فعل الأحرار ولا أهل الدين ، وكم خلودك في الدنيا ؟ القتل أحسن ، واللّه لضربة بالسيف في عزّ ، أحبّ إلىّ من ضربة بسوط في ذلّ ، قال : إني أخاف إن قتلوني أن يمثّلوا بي ، قالت : يا بنى إن الشاة لا يضرها سلخها بعد ذبحها .
فدنا منها وقبل رأسها ، وقال : هذا واللّه رأيي ، والذي قمت به داعيا إلى يومى هذا ،
هامش
( 1 ) الذبان : الذباب ، والعرب تكنو الأبخر « أبا دباب » وبعضهم يكنيه « أبا ذبان » وقد غلب ذلك على عبد الملك بن مروان ، لفساد كان في فمه ، وقيل لأن لثته كانت تدمى فيقع عليها الذباب »
( 2 ) هو عمرو بن سعيد الأشدق ، سمى بذلك لميل كان في فمه ، فقيل له من أجله : « لطيم الشيطان » قال الوزير الكاتب ابن عبدون في مرثيته المشهورة لدولة بنى الأفطس بالأندلس التي مطلعها :« الدهر يفجع بعد العين بالأثر * فما البكاء على الأشباح والصور »ولم تدع لأبى الذبان قاضية * ليس اللطيم لها عمرو بمنتصر( 3 ) وكان قد خرج إلى الحجاج ابناه حمزة وخبيب فأخذا منه لأنفسهما أمانا .