وأما قولك أنا عبد اللّه وهو معاوية ، فقد علمت قريش أيّنا أجود في الأزم « 1 » ، وأحزم في القدم ، وأمنع للحرم ، لا واللّه ما أراك منتهيا حتى تروم من بنى عبد مناف ما رام أبوك ، فقد طالعهم الذّحول « 2 » ، وقدّم إليهم الخيول ، وخدعتم أمّ المؤمنين ، ولم تراقبوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، إذ مددتم على نسائكم السّجوف « 3 » ، وأبرزتم زوجته للحتوف ، ومقارعة السيوف ، فلما التقى الجمعان نكص أبوك هاربا ، فلم ينجه ذلك أن طحنه أبو الحسين بكلكله طحن الحصيد « 4 » ، بأيدي العبيد ، وأما أنت فأفلّت بعد أن خمشتك « 5 » براثينه ، ونالتك مخاليبه ، وأيم اللّه ليقوّمنك بنو عبد مناف بثقافها « 6 » أو لتصبحنّ منها صباح أبيك بوادي السّباع « 7 » ، وما كان أبوك المدهن حدّه « 8 » ، ولكنه كما قال الشاعر :
تناول سرحان فريسة ضيغم * فقضقضه بالكفّ منه وحطّما « 9 »
( العقد الفريد 2 : 113 )
141 - عبد اللّه بن الزبير ومعاوية أيضا
دخل عبد اللّه بن الزبير على معاوية فقال :
« يا أمير المؤمنين ، لا تدعنّ مروان يرمى جماهير قريش بمشاقصه « 10 » ، ويضرب صفاتهم بمعوله ، أما واللّه لولا مكانك ، لكان أخفّ على رقابنا من فراشة ، وأقلّ
هامش
( 1 ) الأزمة ( بالفتح ويحرك ) الشدة ، وجمعها إزم ( كشمس وعنب ) .
( 2 ) جمع ذحل ( بالفتح ) وهو الثأر ، والعداوة ، والحقد : أي كاشفهم بذلك .
( 3 ) جمع سجف ( بالفتح ويكسر ) الستر .
( 4 ) الحصيد : الزرع المحصود .
( 5 ) خمشه : خدشه .
( 6 ) الثقاف : ما تسوى به الرماح .
( 7 ) مقتل أبيه الزبير .
( 8 ) حده : بأسه ، والمدهن : المغشوش ، من أدهن أي غش ، والمعنى أنه كان شديد البأس لم تشب بسالته شائبة خور ولكنه . . . الخ « وفي الأصل « المدهن خده » بالخاء وأراه مصحفا » .
( 9 ) السرحان : الذئب ، والضيغم : الأسد ، وقضقضه فتقضقض : كسره ودقه ، والقضقضة : صوت كسر العظام . وفي الأصل ففضفضه بالفاء ، وهو تصحيف .
( 10 ) المشاقص : جمع مشقص كمنبر ، وهو النصل الطويل ، أو سهم فيه ذلك يرمى به الوحش .