شرح
أن لا يسبقك إلى اللّه أحد فافعل ، وقال محمد بن يوسف الأصبهاني العابد : لو أن رجلا سمع برجل أو عرف رجلا أطوع للّه منه فانصدع قلبه لم يكن ذلك بعجب . وقال رجل لمالك بن دينار : رأيت في المنام مناديا ينادى أيها الناس الرحيل الرحيل ، فما رأيت أحدا ارتحل إلا محمد بن واسع ، فصاح مالك وغشى عليه . ففي درجات الآخرة الباقية يشرع التنافس وطلب العلو في منازلها والحرص على ذلك والسعي في أسبابه ، وأن لا يقنع الإنسان منها بالدون مع قدرته على العلو . وأما العلو الفاني المنقطع الذي يعقب صاحبه غدا حسرة وندامة وذلة وهوانا وصغارا فهو الذي يشرع الزهد فيه والإعراض عنه ، وللزهد فيه أسباب عديدة ؛ فمنها نظر العبد إلى سوء عاقبة الشرف في الدنيا بالولاية والإمارة لمن لا يؤدى حقها في الآخرة ، فينظر العبد إلى عقوبة الظالمين والمكذبين ومن ينازع اللّه رداء الكبرياء ، وفي السنن عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ، يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس يعلوهم نار الأنيار ، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال ) وخرجه الترمذي وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم .
وفي رواية لغيره من وجه آخر في هذا الحديث ( يطأهم الناس بأقدامهم ) وفي رواية أخرى من وجه آخر ( يطؤهم الجن والإنس والدواب بأرجلهم حتى يقضى اللّه بين عباده ) واستأذن رجل عمر رضى اللّه عنه في القصص على الناس فقال : إني أخاف أن تقص عليهم فتترفع عليهم في نفسك حتى يضعك اللّه تحت أرجلهم يوم القيامة .
ومنها نظر العبد إلى ثواب المتواضعين للّه في الدنيا بالرفعة في الآخرة ، فإنه من تواضع للّه رفعه .
ومنها وليس هو في قدرة العبد ولكنه من فضل اللّه ورحمته ما يعوض اللّه عباده العارفين به الزاهدين فيما يفنى من المال والشرف مما يعجله اللّه لهم في الدنيا