تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر ) — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
شرح
أن لا يسبقك إلى اللّه أحد فافعل ، وقال محمد بن يوسف الأصبهاني العابد : لو أن رجلا سمع برجل أو عرف رجلا أطوع للّه منه فانصدع قلبه لم يكن ذلك بعجب . وقال رجل لمالك بن دينار : رأيت في المنام مناديا ينادى أيها الناس الرحيل الرحيل ، فما رأيت أحدا ارتحل إلا محمد بن واسع ، فصاح مالك وغشى عليه . ففي درجات الآخرة الباقية يشرع التنافس وطلب العلو في منازلها والحرص على ذلك والسعي في أسبابه ، وأن لا يقنع الإنسان منها بالدون مع قدرته على العلو . وأما العلو الفاني المنقطع الذي يعقب صاحبه غدا حسرة وندامة وذلة وهوانا وصغارا فهو الذي يشرع الزهد فيه والإعراض عنه ، وللزهد فيه أسباب عديدة ؛ فمنها نظر العبد إلى سوء عاقبة الشرف في الدنيا بالولاية والإمارة لمن لا يؤدى حقها في الآخرة ، فينظر العبد إلى عقوبة الظالمين والمكذبين ومن ينازع اللّه رداء الكبرياء ، وفي السنن عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم قال ( يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر في صور الرجال يغشاهم الذل من كل مكان ، يساقون إلى سجن في جهنم يقال له بولس يعلوهم نار الأنيار ، يسقون من عصارة أهل النار طينة الخبال ) وخرجه الترمذي وغيره من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم . وفي رواية لغيره من وجه آخر في هذا الحديث ( يطأهم الناس بأقدامهم ) وفي رواية أخرى من وجه آخر ( يطؤهم الجن والإنس والدواب بأرجلهم حتى يقضى اللّه بين عباده ) واستأذن رجل عمر رضى اللّه عنه في القصص على الناس فقال : إني أخاف أن تقص عليهم فتترفع عليهم في نفسك حتى يضعك اللّه تحت أرجلهم يوم القيامة . ومنها نظر العبد إلى ثواب المتواضعين للّه في الدنيا بالرفعة في الآخرة ، فإنه من تواضع للّه رفعه . ومنها وليس هو في قدرة العبد ولكنه من فضل اللّه ورحمته ما يعوض اللّه عباده العارفين به الزاهدين فيما يفنى من المال والشرف مما يعجله اللّه لهم في الدنيا
جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله ( ط . دار الفكر ) — صفحة 221 | يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )