شرح
وفي الفؤاد أمور * ما تستطاع تعدالكنّ كتمان حالي * أحق ما بي وأسدىكتب وهب بن منبه إلى مكحول : أما بعد فإنك أصبت بظاهر علمك عند الناس شرفا ومنزلة ، فاطلب بباطن علمك عند اللّه منزلة وزلفى ، واعلم أن إحدى المنزلتين تمنع من الأخرى . ومعنى هذا أن العلم الظاهر من تعلم الشرائع والأحكام والفتاوى والقصص والوعظ ونحو ذلك مما يظهر للناس يحصل به لصاحبه عندهم منزلة وشرف ، والعلم الباطن المودع في القلوب من معرفة اللّه وخشيته ومحبته ومراقبته والأنس به والشوق إلى لقائه والتوكل عليه والرضى بقضائه ، والإعراض عن عرض الدنيا الفاني ، والإقبال على جوهر الآخرة الباقي ، كل هذا يوجب لصاحبه عند اللّه منزلة وزلفى ، وإحدى المنزلتين تمنع من الأخرى ، فمن وقف مع منزلته عند الخلق واشتغل بما حصل له عندهم بالعلم الظاهر من شرف الدنيا ؛ وكان همه حفظ هذه المنزلة عند الخلق وملازمتها وتربيتها والخوف من زوالها كان ذلك حظه من اللّه تعالى وانقطع به عنه ، فهو كما قال بعضهم : ويل لمن كان حظه من اللّه الدنيا . وكان السّرى السقطي يعجبه ما يرى من علم الجنيد وحسن خطابه وسرعة جوابه ، فقال له يوما وقد سأله عن مسألة فأجاب وأصاب : أخشى أن يكون حظك من الدنيا لسانك ، وكان الجنيد لا يزال يبكى من هذه الكلمة . ومن اشتغل بتربية منزلته عند اللّه تعالى بما ذكرنا من العلم الباطن وصل إلى اللّه فاشتغل به عما سواه ، وكان له في ذلك شغل عن طلب المنزلة عند الخلق ، ومع هذا فان اللّه يغطيه المنزلة في قلوب الخلق والشرف عندهم وإن كان لا يريد ذلك ولا يقف معه بل يهرب منه أشد الهرب ويفر أشد الفرار خشية أن يقطعه الخلق عن الحق جل جلاله قال اللّه تعالىإِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمنُ وُدًّاأي في قلوب عباده . وفي حديث ( إن اللّه إذا أحب عبدا نادى يا جبريل إني أحب