فأطرق أبو تمام ، ثم أنشأ يقول :
لا تنكروا ضربي له من دونه * مثلا شرودا في النّدى والباس
فاللّه قد ضرب الأقلّ لنوره * مثلا من المشكاة والنّبراس
ولم يكن هذا في القصيدة ؛ فتزايد العجب منه ، ثم طلب أن تكون الجائزة ولاية عمل ، فاستصغره عن ذلك ، فقال الكنديّ : ولّوه لأنّه قصير العمر ، لأنّ ذهنه ينحت من قلبه . فكان كما قال ، وقد تكون ظهرت له دلائل من شخصه في ذلك الوقت [ دلّت ] « 1 » على قرب أجله .
وسمع الكنديّ إنسانا ينشد :
وفي أربع منّي حلت منك أربع * فما أنا أدري أيّها هاج لي كربي !
خيالك في عيني أم الذّكر في فمي * أم النّطق في سمعي أم الحبّ في قلبي !
فقال : واللّه لقد قسّمتها تقسيما فلسفيا .
* * *
أوتار العود
ونقل الشيخ جمال الدين بن نباتة في كتابه المسمّى ب « سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون » : أنّ واضع العود بعض حكماء الفرس ، ولمّا فرغ منه سمّاه « البربط » وتفسيره :
باب النّجاة ، ومعناه أنّه مأخوذ من صرير باب الجنّة . وجعلت أوتاره أربعة بإزاء الطّبائع [ الأربع ] « 2 » ؛ فالزّير بإزاء السّوداء ، والبمّ بإزاء الصّفراء ، والمثنى بإزاء الدّم ، والمثلث بإزاء البلغم ؛ فإذا اعتدلت أوتاره المرتّبة على ما يجب جانست الطّبائع ، وأنتجت الطّرب ، وهو رجوع النّفس إلى الحالة الطّبيعيّة دفعة واحدة .
وبدئ هذا العلم ببطليموس ، وختم بإسحاق بن إبراهيم الموصليّ « 3 » .
وحكى ابن حمدون في تذكرته أنّ الحسن بن حمّاد ، قال : كنت بالمدينة فخلا لي الطّريق نصف النهار ، فجعلت أتغنّى بشعر ذي يزن وهو :
ما بال قومك يا رباب * خزرا كأنّهم غضاب « 4 » !
فإذا كوّة قد فتحت ، وإذا وجه قد بدا منها تتبعه لحية حمراء . فقال : يا فاسق ، أسأت التّأدية ، ومنعت القائلة ، وأذعت الفاحشة ! ثم اندفع يغنّي ، فغنّى الصّوت غناء
هامش
( 1 ) تكملة من ج .
( 2 ) من ج ، د ، ط .
( 3 ) سرح العيون 129 .
( 4 ) الخزر ، محركة : كسر العين خلقة أو ضيفها .