أن تخلّي سبيلي ، ولا تشمت بي أحياء العرب ، فإنّي ابنة سيّد قومي ! وإنّ أبي كان يفكّ العاني ، ويشبع الجائع ، ويكسو العاري ، ويفشي السّلام ، ولا يردّ طالب حاجة قطّ ، أنا ابنة حاتم الطّائيّ .
فقال النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم : « يا جارية ، هذه صفات المؤمنين ، خلّوا عنها ، فإنّ أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق » « 1 » .
والمنقول عن حاتم في زيادة الكرم كثير ، من ذلك ما حكاه المدائنيّ ، قال :
أقبل ركب من بني أسد وبني قيس يريدون النّعمان ، فلقوا حاتما ، فقالوا : تركنا قومنا يثنون عليك ، وقد أرسلوا إليك رسالة ، قال : وما هي ؟ فأنشده الأسديّون شعرا للنّابغة فيه ، فلمّا أنشدوه قالوا : إنا نستحيي أن نسألك شيئا ، وإنّ لنا حاجة ! قال : وما هي ؟
قالوا : صاحب لنا قد أرجل - يعني فقدت راحلته - فقال حاتم : خذوا فرسي هذه فاحملوه عليها . فأخذوها ؛ وربطت الجارية فلوها بثوبها فأفلت يتبع أمّه ، فتبعته الجارية لتردّه ، فصاح حاتم : ما تبعكم فهو لكم ؛ فذهبوا بالفرس والفلو والجارية .
وقيل : أجود العرب في الجاهليّة ثلاثة : حاتم الطّائيّ ، وهرم بن سنان ، وكعب بن مامة ، وحاتم كان أشهرهم [ بالكرم ] « 2 » ذكرا ، أدرك مولد النبيّ صلى اللّه عليه وسلم .
* * *
أجواد العرب في الإسلام
وحكى الهيثم بن عديّ ، قال :
تمارى « 3 » ثلاثة في أجواد الإسلام ، فقال رجل : أسخى النّاس في عصرنا هذا عبد اللّه بن جعفر بن أبي طالب ، وقال آخر : أسخى النّاس عرابة الأوسيّ ، وقال آخر : بل هو قيس بن سعد بن عبادة ؛ وأكثروا الجدال في ذلك ، وكثر ضجيجهم وهم بفناء الكعبة ؛ فقال لهم رجل : قد أكثرتم الجدال [ في ذلك ] « 4 » ، فما عليكم أن يمضي كلّ واحد منكم إلى صاحبه يسأله حتى ننظر ما يعطيه ، ونحكم على العيان .
فقام صاحب عبد اللّه إليه ، فصادفه قد وضع رجله في غرز « 5 » ناقته يريد ضيعة [ له ] « 6 » ؛ فقال : يا بن عمّ رسول اللّه ، قال : قل ما تشاء ، قال : ابن سبيل ومنقطع به .
قال : فأخرج رجله من غرز النّاقة ، وقال له : ضع رجلك واستو على الرّاحلة ، وخذ ما في الحقيبة ، واحتفظ بسيفك فإنّه من سيوف عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه . قال :
هامش
( 1 ) سرح العيون 113 .
( 2 ) تكملة من ط ، ج .
( 3 ) تمارى : جادل بعضهم بعضا .
( 4 ) تكملة من ط .
( 5 ) الغرز : ركاب الرحل .
( 6 ) تكملة من : ب ، ط .