وقال غيره وأجاد :
ومروحة أهدت إلى النّفس روحها * لدى القيظ مبثوثا بإهدار ريحها
روينا عن الريح الشّمال حديثها * على ضعفه مستخرجا من صحيحها
* * *
بديهة أبي العلاء
ونقل الحافظ اليعمريّ أنّ أبا نصر المنازيّ - واسمه أحمد بن يوسف - دخل على أبي العلاء المعرّي في جماعة من أهل الأدب ، فأنشد كلّ واحد منهم من شعره ما تيسّر ، فأنشده أبو نصر :
وقانا لفحة الرّمضاء واد * سقاه مضاعف الغيث العميم « 1 »
نزلنا دوحه فحنا علينا * حنوّ الوالدات على الفطيم
وأرشفنا على ظمأ زلالا * ألذّ من المدامة للنّديم
يصدّ الشّمس أنّى واجهتنا * فيحجبها ويأذن للنّسيم
تروع حصاه حالية العذارى * فتلمس جانب العقد النّظيم
فقال أبو العلاء : أنت أشعر من بالشّام .
ثم رحل أبو العلاء إلى بغداد ، فدخل المنازيّ عليه في جماعة من أهل الأدب ببغداد ، وأبو العلاء لا يعرف منهم أحدا ، فأنشد كل واحد ما حضره من شعره ، حتّى جاءت نوبة المنازيّ فأنشد :
لقد عرض الحمام لنا بسجع * إذا أصغى له ركب تلاحى
شجا قلب الخليّ فقيل غنّى « 2 » * وبرّح بالشجيّ فقيل ناحا « 3 »
وكم للشوق في أحشاء صبّ * إذا اندملت أجدّ لها جراحا
ضعيف الصّبر عنك وإن تقاوى * وسكران الفؤاد وإن تصاحى
كذاك بنو الهوى سكرى صحاة * كأحداق المها مرضى صحاحا
فقال أبو العلاء : ومن بالعراق ؛ عطفا على قوله : « ومن بالشام » .
* * *
هامش
( 1 ) تنسب هذه الأبيات لحمدونة بنت زياد . معجم الأدباء 1 / 276 .
( 2 ) شجاه : أحزنه .
( 3 ) برح به الأمر : أجهده .