نادرة
مشى البيدق اليزيديّ مع شابّ موسوم بالجمال ، فقال له شمس الدين المنجّم الشاعر : أراك يا بيدق تفرزن « 1 » حول هذه النفس ! فقال : وإذا كان ! فقال : أخشى « 2 » عليك من ذلك الرّخّ لا يقطعك من الحاشية ، ويرميك عن الفرس ، ويقطع عليك الرّقعة ، ولو كان في كفّك الفيل .
ومثله في الظرف أن بعض الأجناد كان كثير اللعب بالشّطرنج ، وكان الجنديّ خليعا ظريفا ، فأعطاه الأمير في بعض الأيام فرسا ، وقال له : لا تفرّط فيها ، فقال :
نعم . وبعد ذلك التقى به الأمير وهو لا بس جوخة ، فقال له : ويلك ! أين الفرس ؟
فقال : ياخوند « 3 » ، ضربني الشاه مات « 4 » ، فتستّرت بالفرس .
ويعجبني قول الشيخ بدر الدين بن الصاحب :
تأمّل تر الشّطرنج كالدّهر دولة * نهارا وليلا تم بؤسى وأنعما
محرّكها باق ، وتفنى جميعها * وبعد الفنا تحيا وتبعث أعظما
قلت : ويشبه هذا قول القاضي الفاضل ، وقد أخرج له السلطان الملك الناصر صلاح الدين من القصر من يعاني الخيال - أعني خيال الظّلّ - ليفرّجه عليه ، فقام الفاضل عند الشّروع في عمله ، فقال له الناصر : إن كان حراما فما نحضره - وكان حديث العهد بخدمته قبل أن يلي السّلطنة فما أراد أن يكدّر عليه - فقعد إلى أخرة ، فلمّا انقضى ذلك قال له الملك الناصر : كيف رأيت ذلك ؟ قال : رأيت موعظة عظيمة ، رأيت دولا تمضي ودولا تأتي . ولمّا طوي الإزار ، إذا بالمحرّك واحد ؛ فأخرج ببلاغته هذا الجدّ في هذا الهزل .
وللشيخ بدر الدين بن الصاحب مضمّنا في الشّطرنج :
أميل لشطرنج أهل النّهى * وأسلوه من ناقل الباطل
وكم رمت تهذيب لعّابه * « وتأبى الطّباع على النّاقل « 5 » »
هامش
( 1 ) الفرزين : من لعب الشطرنج ، أعجمي معرب ، وهو الملك في اصطلاح الشطرنج . وفي ط :
« تفرزنت » .
( 2 ) في ب : « أخاف » .
( 3 ) خوند : لفظ تركي ، معناه ، السيد أو الأمير . حواشي السلوك 1 / 224 .
( 4 ) اصطلاح في لعب الشطرنج بمعنى « كش ملك » ، أي إن مركز اللاعب صار مهددا .
( 5 ) الشطر الثاني للمتنبي : وصدره :
يراد من القلب نسيانكم
ديوانه : 3 / 22 .