النّحس فعل بالخويدم الصغير ! فقال : بل مولانا السيّد الكبير ، فخجل منه ، وأبرزها في قالب المجون .
وأنشد ابن الجوزيّ في بعض مجالس وعظه :
أصبحت ألطف من مرّ النّسيم على * زهر الرّياض يكاد الوهم يؤلمني
من كلّ معنى لطيف أجتلي قدحا * وكلّ ناطقة في الكون تطريني
فقام إليه إنسان فقال : يا سيّدي الشيخ ، فإن كان الناطق حمارا ؟ فقال : أقول له :
يا حمار ، اسكت .
ويعجبني قول برهان الدين القيراطيّ :
صاح هذي قباب طيبة لاحت * وفؤادي على اللّقاء حريص
وتبدّت نخيلها للمطايا * فعيون المطيّ للنّخل خوص
ويطربني ما حكاه أبو الفوارس إسرائيل الدمشقيّ ، قال : كنت يوما عند السلطان صلاح الدين يوسف بن أيّوب ، فحضر رسول صاحب المدينة - على صاحبها أفضل الصّلاة والسلام - ومعه قود « 1 » وهدايا ، فلمّا جلس ، أخرج من كمّه مروحة بيضاء ، عليها سطران بالسّعف الأحمر ، وقال : الشريف يخدم مولانا السّلطان ويقول : هذه المروحة ، ما رأى مولانا السلطان ولا أحد من بني أيّوب مثلها . فاستشاط السلطان صلاح الدين غضبا ، فقال الرّسول : يا مولانا السّلطان ؛ لا تعجل بالغضب « 2 » قبل تأمّلها - وكان السلطان صلاح الدين ملكا حكيما ، فتأمّلها فإذا عليها مكتوب :
أنا من نخلة تجاور قبرا * ساد من فيه سائر الناس طرّا
شملتني عناية القبر حتّى * صرت من راحة ابن أيّوب أقرى
وإذا هي من خوص النّخل الّذي في مسجد الرّسول صلى اللّه عليه وسلم . فقبّلها السلطان صلاح الدين ، ووضعها على رأسه ، وقال لرسول صاحب المدينة النّبويّة : صدقت فيما قلت من تعظيم هذه المروحة .
وأحسن ما سمع فيها قول عرقلة الدمشقيّ ، حيث قال :
ومحبوبة في القيظ لم تخل من يد * وفي القرّ تسلوها أكفّ الحبائب
إذا ما الهوى المقصور هيّج عاشقا * أتت بالهوا الممدود من كلّ جانب
هامش
( 1 ) القود : جماعة الخيل تقاد بمقاودها ولا تركب .
( 2 ) ب : « لا تغضب » .