وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا
[ يس : 9 ] . كم طلبوا فتحه فلم يجدوا لهم طاقة وضرب بينهم بسور له باب ، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب .
ونظرت إلى ما تحت القلعة من أسواق التجار ، فوجدت كلّا قد محت النار آثاره ، وأهله يتلون :
قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ
[ الجمعة : 11 ] .
فمنهم من شأنه على صاحبته وبنيه ، وآخر قد استغنى بشأن نفسه فهمّ كما قال اللّه :
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ
[ عبس : 37 ] ، فوقفت أنشد في تلك الأسواق وقد سعرّت . ألا موت يباع فاشتريه .
ونظرت إلى المؤمنين الركّع السّجود وهم يتلون على من ترك في بيوتهم أخدودا من وقود النار وقعد لحربهم في ذلك اليوم المشهود :
قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ
[ البروج : 4 - 7 ] .
هذا وكم مؤمن قد خرج من دياره حذر الموت ، وهو يقول النجاة وطلب القرار ، وكلّما دعاه قومه لمساعدتهم على الحريق ناداهم وقد عدم الاصطبار ،
وَيا قَوْمِ ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ
[ غافر : 41 ] .
ونظرت إلى ضواحي البلد وقد استدّت في وجوههم المذاهب ، وما لهم من الضيق مخرج ، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت لمّا أغلق في وجوههم باب الفرج ، فقلت : اللهم اجعل لهم من كلّ همّ فرجا ومن كل ضيق مخرجا ، ولعدم أموالهم من كل عسر يسرا ، ولانتهاك مخدراتهم من كل فاحشة سترا ، ولقطع الماء عنهم إلى كلّ خير سبيل ، فأنت حسبنا ونعم الوكيل .
هذا وكم نظرت إلى سماء ربع غربت شمسه بعد الإشراق فأنشدت وقد ازددت كربا من شدّة الاحتراق :
فديناك من ربع وإن زدتنا كربا * فإنك كنت الشرق للشمس والغربا « 1 »
وانتهيت إلى الطوافين ، وقد أسبل عليهم الحريق شدّته فكشفوا الرؤوس لعالم السرائر . وكم ذات ستر خرجت بفرق مكشوف ورمت العصائب وبعلها بعينيه دائر .
هذا وكم ناهدات :
أسبلن من فوق النهود ذوائبا * فتركن حبّات القلوب ذوائبا
ووصلت إلى ظاهر الفراديس ، وقد قام كلّ إلى فردوس بيته ، فاطلع فرآه في
هامش
( 1 ) للمتنبي ، ديوانه : 1 / 40 .