المرحوميّ الفخريّ القاضي ابن مكانس في شرح ذلك رسالة لم ينسج على منوالها ، ولم تسمح على غلبة الظن قريحة بمثالها ، وهي :
يقبّل المملوك أرضا من يمّمها أو يتيمّم بثراها حصل له الفخر والمجد ، فلا برح هيام الوفود إلى أبوابها أكثر من هيام العرب إلى ريّا نجد ، ولا زالت فحول الشعراء تطلق أعنّة لفظها فتركض في ذلك المضمار ، وتهيم بواديها الّذي يجب أن ترفع فيه على أعمدة المدائح بيوت الأشعار . وينهى - بعد أشواق أمست الدموع بها في محاجر العين معثّرة ، ولو لم يقر إنسانها بمرسلات الدمع لقلت : قتل الإنسان ما أكفره - وصول المملوك إلى دمشق المحروسة ، فيا ليته قبض قبل ما كتب عليه ذلك الوصول ، ودخوله إليها ولقد واللّه تمنّى خروج الروح عند ذلك الدخول . فنظر المملوك إلى قبة يلبغا وقد طار بها طير الحمام ، وجئت حولها تلك الأسود الضارية ، فتطيّرت في ذلك الوقت من القبة والطير وتعوّذت بالغاشية . ودخلت بعد ذلك إلى القبيبات التي صغّر اسمها لأجل التحبيب ، فوجدتها وقد خلا منها كلّ منزل كان آنسا بحبيبه فأنشد به لسان الحال : قفا نبك من ذكرى حبيب .
ونظرت بعد القباب إلى المصلّى وما فعلت به سكان تلك الخيام ، والتفتّ إلى بديع بيوته التي حسن بناء تأسيسها وقد فسد منها النظام :
فسال وقد وقفت عقيق دمعي * على أرض المصلّى والقباب
ونظرت إلى ذلك الوادي الفسيح وقد ضاق من الحريق بسكانه الفضا ، فتوهّمت أن وادي المصلّى قد تبدّل بوادي الغضا .
فسقى الغضا والساكنيه وإن هم * شبّوه بين جوانحي وضلوعي
واصطليت النار ، وقد أرادت سبي ذلك النادي ، فشبّت عليه من فوارس لهيبها الغارة ، وركضت في ميدان الحصى فوجدت أركانه كما قال تعالى :
وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ *
[ البقرة : 24 ] .
ودخلت قصر الحجاج ، وقد مدّت النار به من غير ضرورة في موضع القصر ، وأصبح أهله في خسر ، وكيف لا وقد صاروا عبرة لأهل العصر !
وتأملت تلك الألسن الجمرية ، وقد انطلقت في ثغور تلك الربوع تكلّم السكان ، وتطاولت بألسنة الأسنّة الأتراك فانذهل أهل دمشق وقد كلّموا بكلّ لسان ووصل المملوك بعد الفجر إلى البلد ، وقد تلا بعد زخرفه في سورة الدخان . فوجب أن أجري الدموع على وجيب كل ربع ، وأنشد : وقد دخل صبري بعد أن كان في خبر كان :
* دمع جرى فقضى في الرّبع ما وجبا *