فقال لسان الحال : واللّه ما كذب ، ولكنه قد يخبو الزناد ، وقد يكبو الجواد ، وقد يصاب الفارس بالعين التي تغمز قناته غمزا .
ومن ظن أن سيلاقي الحروب * وألّا يصاب فقد ظن عجزا
ودخلت بعد ذلك إلى البلد ؛ فوجدت على أهله من دروع الصبر سكينة ، فقلت :
يا رب مكة والحرم انظر إلى أحوال أهل المدينة . ولكن ما دخلت بها إلى حمّام إلا وجدته قد ذاق لقطع الماء عنه حماما ، وعلم القوّام والقاعدون بأرضه أنها ساءت مستقرّا ومقاما ، وتلا على بيت ناره :
قُلْنا يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً
[ الأنبياء : 69 ] ، فحسن أن أنشده قول ابن الجوزي :
والحارّ عندك بارد * والنّهر أمسى منقطع « 1 »
والعين لا ماء فيها * ما حيلة القوّام
وأتيت بعد ذلك إلى الجامع الأمويّ ، فإذا هو لأشتات المحاسن جامع ، وأتيته طالبا لبديع حسنه فظفرت بالاستضاءة والاقتباس من ذلك النور الساطع .
وتمسكت بأذيال حسنه لمّا نشقت تلك النفحات السحرية ، وتشوّقت إلى النّظم والنّثر لمّا نظرت إلى تلك الشذور الذهبية ، وآنست من جانب طوره نارا فرجع لي ضياء حسّي ، واندهشت لذلك الملك السليماني وقد زهي بالبساط والكرسيّ ، وقلت : هذا ملك سعد من وقف في خدمته خاشعا ، وشقي من لم يدس بساطه ويأته طائعا ، ولقد صدق من قال :
أرى الحسن مجموعا بجامع جلّق * وفي صدره معنى الملاحة مشروح
فإن يتعالى بالجوامع معشر * فقل لهم باب الزيارة مفتوح
معبد له قصبات السبق ولكن كسرت عند قطع الماء قناته ، ورأيته في القبلة من شدة الظمأ وقد قويت من ضجيج المسلمين أنّاته ، وخفض النسر جناح الذلّ وودّ بأن يكون النسر الطائر ، وطمست مقل تلك المصابيح فاندهش لذلك الناظر .
هذا . . وكم نظرت إلى حجر مكرم ليس له بعد إكسير الماء جابر ، واختفت نجوم تلك الأطباق التي كانت كالقلائد في جيد الغسق ، ومرّت حلاوة نارها بعد ما ركبت طبقا عن طبق . وأصبح دوحه وهو بعد تلك النضارة والنعيم ذابل ، وكادت قناديله وقد سلبت لفقد الماء أن تقطع السلاسل . ولم تشر الناس بأصابعها إلى فصوص تلك الخواتم المذهّبة ، ولم يبق على ذلك الصحن طلاوة بعد الماء وحلاوة
هامش
( 1 ) من كان وكان .