وأصبحت أوقات الرّبوة بعد ذلك العيش الخضل واليسر عسيرة ، ولقد كان أهلها في ظل ممدود وماء مسكوب وفاكهة كثيرة ، فعبس بعد ذلك ثغر روضها الباسم ، وضاع من غير تورية عطره النّاسم ، ولم ينتظم لزهره المنثور على ذلك الوشي المرقوم رسالة من النسيم سحرية ، وكيف لا وقد محا سجع المطوّق من طروس تلك الأوراق النباتية .
هذا وكم عروس روض سوّر معصمها النقش فلمّا انقطع نهرها صح أنها كسرت السوار ، وكم دولاب نهر بطل غناؤه على تشبيب النسيم بالقصب وعطلت نوبته من تلك الأدوار ، فوقفت أندب ذلك العيش الذي كان بذلك التشبيب موصولا ، وأنشد ولم أجد بعد تلك النوبة المطربة إلى مغنى الربوة دخولا .
لم لا أشبّب بالعيش الّذي انقرضت * أوقاته وهو باللّذات موصول
ونقص يزيد فاحترق ولا ينكر ليزيد الحريق على صنعه ، وانقطع ظهر ثور فأهلك الحرث والنسل بقطعه ، وذاب بردى وحمي مزاجه لمّا شعر بالحريق ، ولم يبق في ثغره الأشنب بدرر حصبائه ما يبلّ الريق . وانقطع وقد اعتلّ من غيضه بانياس ، ولم يظهر عند قطعه خلاف ولا بان آس . وجرى الدّم من شدّة الطعن بالقنوات ، وكسرت قناة المرجة فذاقت مرّ العيش بعد حلاوة تلك القطوف الدانيات . وكسر الخلخال لمّا قام الحرب على ساقه ، وسقط رأس كلّ غصن على الجبهة فهاجت البلابل على أوراقه .
وخرّ نهر حمص خاضعا وتكدّر بعد ما كان يصفي لنا قلبه ، وافتقر أغنياء غصونه من حبات تلك الثمار فصاروا لا يملكون حبّة . طالما كان أهله فاكهين ، ولكنهم اعترفوا بذنوبهم فقالوا :
وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ
[ المدثر : 45 ] .
وذبلت عوارض تلك الجزيرة التي كانت على وجنات شطوطه مستديرة ، فقلنا بعد عروس دمشق وحماتها لا حاجة لنا بحمص والجزيرة . فيا لهفي على منازل الشرف وذلك الوادي الذي نعق به غراب البين ، ويا شوقي إلى رأس تلك المرجة التي كانت تجلسنا قبل اليوم على الرأس والعين .
هذا وقد اسودّت الشقراء فأمست كابية لمّا حصل على ظهرها من الجولان ، وجانبها العكس فأضحت باكية على فراق الأبلق واخضرّ ذلك الميدان .
يا مولانا ، لقد بكى المملوك من الأسف بدمعة حمراء على ما جرى من أهل الشهباء في الميدان على الشقراء حتى كذّب الناس من قال :
قل للذي قايس بين حلب * وجلّق بمقتضى أعيانها
ما تلحق الشهباء في حلبتها * تعثر الشقراء في ميدانها