سواء الجحيم ، واندهشت لتلك الأنفس التي ماتت من شدة الخوف ، وهي تستغيث بالذي
أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
[ يس : 79 ] .
ونظرت إلى ظاهر باب السلامة ، وقد أخفت النار أعلامه ، ولقد كان أهله من صحة أجسامهم ومن اسمه كما يقال بالصحة والسلامة .
وإلى الشلاحة ؛ وقد لبست ثياب الحزن وذابت من أجلها الكبود ، وقعدوا بعد تلك الربوع على أديم الأرض ونضجت منهم الجلود ، ولقد واللّه عدمت لذة الحواس الخمس ، وضاقت عليّ الجهات الست فلم ترقأ لي دمعة ، وأكلت الأنامل من الأسف لمّا سمعت بحريق أطراف السبعة ، فأعيذ ما بقي من السبعة بالسّبع المثاني والقرآن العظيم ؛ فكم رأينا بها يعقوب حزن رأي سواد بيته فاصفّر لونه
وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ
[ يوسف : 84 ] .
وتغرّبت إلى ظاهر الباب الشرقيّ فتشرّقت بالدمع من شدة الالتهاب ، فلقد كان أهله من دار عنبه وكرومه الكريمة في جنتين من نخيل وأعناب .
وتوصّلت إلى ظاهر باب كيسان ، فأنفقت كيس الصبر لمّا افتقرت من دنانير تلك الأزهار والدراهم رباها ، وسمحت بعد ذلك بالعين واستخدمت فقلت . بسم اللّه مجراها .
وكابرت إلى أطراف الباب الصغير ، فوجدت فاضل النار لم يغادر منها صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، فيا لهفي على عروس دمشق التي لم تذكر مع محاسنها أسماء ولا الجيداء ، لقد كانت ست الشام فاستعبدها ملك النار حتى صارت جارية سوداء .
ولقد وقفت بين ربوعها وقد التهبت أحشاؤها بالاضطرام ، وفطم جنين نبتها عن رضاع ثدي الغمام ، فاستسقيت لها بقول ابن أسعد حيث قال :
سقى دمشق وأياما مضت فيها * مواطر السحب ساريها وغاديها
ولا يزال جنين النبت ترضعه * حوامل المزن في أحشا أراضيها
فما نضا حبّها قلبي لنيربها * ولا قضى نحبه ودّي لواديها
ولا تسلّيت عن سلسال ربوتها * ولا نسيت مبيتي جار جاريها
هذا وكم خائف قبل اليوم آويناه بها إلى ربوة ذات قرار ، وكم كان بها مطرب طير خرج بعد ما كان يطرب على عود وطار . وبطل الجنك لمّا انقطعت أوتار أنهاره فلم يبق له مغنى ، وكسر الدف لمّا خرج نهر المغنية عن المعنى ، واستسمج الناس من قال :
انهض إلى الربوة مستمتعا * تجد من اللذات ما يكفي
فالطير قد غنّى على عوده * في الروض بين الجنك والدّفّ