VI
يورد الطرسوسي خلال فصول كتابه معلومات مفيدة عن التنظيم الإداري للدولة المملوكية كما استقرّ عليه إبّان سلطنة الناصر محمد بن قلاوون ( 693 - 741 ه ) . وقد أشرت لذلك في حواشي التحقيق . كما أنّ الكتاب يتضمّن عروضا شيّقة عن علاقات الفقهاء فيما بينهم داخل المذهب الواحد ، وبين المذاهب المختلفة ؛ وبينهم وبين الدولة المملوكية . لكنّ رؤيته في هذا الجانب شديدة الذاتية كما أشرنا لذلك في بعض المواطن فيما سبق . ويبدو من عروضه أنّه - خلال تجربته الطويلة في القضاء - اعتاد على تقبّل المالكية ؛ الذين كانوا قليلين جدا بدمشق والشام عموما . بينما كان منزعجا من النهوض الحنبلي الذي بدأ في القرن السادس بدمشق ، وكان ما يزال مستمرا ، والأكثر إزعاجا بالنسبة له من بين شخصيات الحنابلة المعاصرة شخصية ابن تيمية ( 661 - 728 ه ) ؛ بينما كان يطمئنّ إلى المرداوي الحنبلي . ومع ذلك فإنه ما كان يعتبر المالكية والحنابلة منافسين حقيقيين . بل المنافسون الحقيقيّون هم الشافعية . ولم تقتصر منافستهم للحنفية على مجال القضاء ؛ بل تعدّى الأمر ذلك إلى سائر مجالات الحياة العلمية والمادية . فقد كانت مدارسهم مزدهرة ، كما كانت أوقافهم غنية .
وزاد الطين بلّة استيلاؤهم بموافقة السلطان ، ونائب السلطان بالشام تنكز ( 712 - 740 ه ) على الخطابة وولاية أوقاف الجامع الأموي الضخمة ،