تخطي إلى المحتوى الرئيسي

بهجة المجالس وأنس المجالس — صفحة 31

مساهمون:

ص٣١
ثالثا : نقده لبعض الأخبار التي وردت في الكتب وشهرت بين الناس ، كنقده لما روى عن مجىء وفد ملك الروم إلى معاوية وفيه رجلان أحدهما طويل والآخر أيد ، فندب لمغالبتهما قيس بن سعد الأنصاري ، ومحمد بن الحنفية ، أما قيس وكان طوالا بين الرجال فإنه خلع سراويله في مجلس معاوية وألقى بها إلى الرومي فلما لبسها لم تبلع ثندوته ، وأما ابن الحنفية فإنه عرض على الرومي إما أن يقعد هو ويقيمه الرومي أو يقعد الرومي ويقيمه هو ، فلما قعد محمد لم يستطع أن يقيمه الرومي . . . إلى آخر ما ورد في هذه القصة ، ويعقب عليها ابن عبد البر بأنها في رأيه منكرة وليست بصحيحة ولا لها أصل لأنها تخالف أخلاق قيس ومحمد ، وليس فيها كبير فائدة لمنزلتهما . وكنقده لما ورد في كتاب الجان للجاحظ عن الغيلان وظهورها لبنى آدم وزواج بعضهم منها فهو يقول عن ذلك : إنها من دعابات عمرو بن بحر ومجونه . إلى غير ذلك مما تراه مفرقا في مواضع مختلفة من الكتاب . إلا أننا مع تقديرنا لهذه النقدات الصائبة ، نلاحظ أنه يورد كثيرا من الأخبار الأسطورية التي لا يقبلها عقل في كتابه ، وغالبا ما يكون ذلك في القصص التاريخية المتداولة ، ومثال ذلك ما أورده من قصة اليهودي الذي كان كلما فتح المصحف ( كذا ) وقرأ فيه : « بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار . . . الخ » يدعو اللّه ويقول : رب أرني من جعلت خراب بني إسرائيل على يديه ، حتى أوحى اللّه إليه بأوصاف بختنصر الموجود بأرض بابل فذهب إليه . . . الخ . فأي مصحف هذا الذي كان موجودا على عهد بختنصر . ؟ . ومثل ذلك مما لا يقبله العقل من أخبار المعمرين الذين عاش بعضهم ثلاثمائة سنة وبعضهم أكثر . ولكن على أية حال نرى أن ما أورده أبو عمر في كتابه من مثل هذه الأخبار المنقولة عن الكتب الأدبية ، لا يعد شيئا بالنسبة لما ورد في الكتب الأخرى من أمثالها ، وحسبنا أن نقرأ صفحات مما ورد في كتب ابن قتيبة والجاحظ والمبرد والطبري لنرى أي قصص يملأ بطون هذه الكتب ، وبخاصة في ما ورد من القصص والنقول الأسطورية الموغلة في القدم .