4 - حكى أبو حيان في كتابه الذي سمّاه « البصائر » أن الأستاذ الرئيس أبا الفضل ابن العميد - رحمه اللّه - كان كلفا بأبي عثمان الجاحظ ، حريصا على كتبه ، ومثله محروص عليه ومتنافس فيه ، وكان يقول : ينبغي للفاضل أن يذهب في المعاني مذهب أرسطاطاليس ، فإنه وطّأ طرق الحكمة ، وضرب منارها ، ونشر أعلامها ، وأنشأه اللّه في دهر صالح ، وقيّض له عدل ملك فاضل - يعني الإسكندر - وحبّب إليه معرفة أسرار العالم ، وفرّغه لتمهيد المنطق ، وألهمه دقائق الحكم ، وأتمّ على لسانه حقائق ما سلف من الأمم .
قال : وإنما يجهل قدر هذا الحكيم عاميّ حشوي أو من هو في طباعه وإن كان بائنا عن ظاهر أمره ، أو عالما لم يذق حلاوة الحقّ ولم ينسلخ من جلباب الهوى ، فهو يشنّع على هذا الرجل تارة بالكفر وتارة بالجهل ، تملّقا لمن يطلب إليه ما في يديه ، أو يفرح بعرض الجاه عنده . وصاحب هذا الفصل ليس للحكمة [ عنده ] محلّ ، ولا للعلم في نفسه مقرّ ، وإنما هو متشيّع بالدعوى ، ومظهر عنده للحيلة .
قال : وفي الألفاظ يكون مقتديا بأبي عثمان الجاحظ ، فإنّه أوحد في غزارته وفصاحته ، وفي النظم لا يختار على البحتري ، فإنه سهل الطريقة ممتنعها ؛ ومن عرف جوهر الكلام ، ومواقع الاستعارة ، وآثار المعاني ، وسبيل التأليف في الكتابة ، لا يخلّ بالمكني عنه وتصريح لا يفصح المصرّح به ، ورقّة لها تغلغل في القلب ، ودقّة فيها مجال للعقل ، وإيضاح يغني عن تحكّم الظنّ ، وتلطّف خلوب السامع ، علم ما دللت عليه وأشرت إليه ، ثم العمل معرض لك فخذه كيف وجدته وأردته . ( المنتخب من صوان الحكمة :
151 - 152 ) .
5 - قلت : ومن غرائب ما وقعت عليه من العصبية القبيحة أن أبا حيان التوحيدي قال في كتاب « البصائر » إنّ خزيمة بن ثابت المقتول مع علي عليه
البصائر والذخائر — صفحة 308
مساهمون: أبي حيان علي بن محمد التوحيدي
ص٣٠٨