و - اللغة
عندما نصل إلى حقل اللغة نكون قد وصلنا إلى واحد من أغزر الحقول التي عني التوحيدي بإدراجها في كتابه ، إذ كانت اللغة من الموضوعات اللصيقة بقلبه القريبة من نفسه ، بل إنه يقول في البصائر إن المعرفة اللغوية الصحيحة هي التي تجعل من الإنسان إنسانا على الحقيقة وليس بالخلقة فقط « 1 » . ولعل مجال اللغة هو المجال الأوسع الذي تظهر فيه ثقافة التوحيدي الذاتية ، فقد كان شديد العناية بها حثيث التتبع لصوابها ، وقد روى في البصائر حكاية تنبئ أنه كان قلقا بشأن كلمة « الاحتلاط » - بالحاء المهملة - فسأل أعرابيا عنها ، ولم يصل إلى الراحة حتى قال له الأعرابي إن معنى الاحتلاط هو الغضب ، وأنشده في ذلك شعرا « 2 » . وروى أيضا أنه سمع بالبادية بفيد رجلا من العرب يقول لآخر عند قاضيها : أنا الضامن المخبور والجذع المفرور ، فحفظ هذا الكلام من غير معرفة ، ثم سأل عنه العلماء فوضح الجواب « 3 » . بالمقابل كان أبو حيان يغضب ممن يدعي العلم ويخطئ في اللغة ، وممن يحاول أن يتعالم عليه فيها ، وقد روى في البصائر قصة « شيخ من سراة أذربيجان » أراد أن يخجله فخجل ، قال :
« وذلك أنه قال لي : ما تقول في رجل زنا ؟ فقلت : الحال معتبرة ، فإن كان بكرا فالجلد ، وإن كان ثيبا فالرّجم ، والتغريب على ما يرى الإمام ، ففيه الخلاف ؛ فقال لي : أخطأت ، إني ما أردت إلا غير هذا المعنى ، قلت :
كأنك أردت رجلا زنا بامرأة ، قال : أردت صعد الجبل ، قلت : فاعلم أيها المخطّئ أنك مخطئ ، قال : كيف ؟ قلت : لأن ذاك بالهمز لا غير ، ومتى حذفت الهمز فسد المعنى ، فالتقم حصاة سكوتا » « 4 » .
هامش
( 1 ) انظر الجزء الرابع ، ضمن الفقرة : 818 ب .
( 2 ) انظر الجزء الخامس ، الفقرة : 151 .
( 3 ) انظر الجزء الأول ، الفقرة : 300 .
( 4 ) الجزء الأول ، الفقرة : 571 .