تخطي إلى المحتوى الرئيسي

البصائر والذخائر — صفحة 59

مساهمون:

ص٥٩
الحقّ ، ففاجأهم الموت فخلّفوا مالهم لمن لا يحمدهم ، وصاروا إلى من لا يعذرهم ، وقد خلفنا بعدهم ، فينبغي أن ننظر إلى الذي كرهناه فنجتنبه ، والذي غبطناهم به فنستعمله .

205 - كتب الجاحظ في « الملح » :

المزح متفاوت الأشكال في السّخف ، كما أنّ الجدّ متفاوت الأقدار في الوزن ، فلم نقصد إلى الباطل ، ولا إلى ما لا يردّ نفعا في عاجل ، ولا مرجوع له في آجل ، بل إنّما أردنا أن يكون ذلك الضحك إجماما للقوّة ، وتنشيطا على العمل ، وقد حكى اللّه تعالى عن اليهود قولهم :
يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ
( المائدة : 64 ) وإنّ اللّه فقير وهم أغنياء ، فكانت الحكاية كفرا مسخوطا ، وكذبا مرفوضا ، ولست تعرف فضل النعمة عليك في حسن البيان حتى تعرف شدّة البليّة في قبح العيّ ، ومتى سمعت التهكّم في القول ، عرفت فضل النّعمة في الاقتصاد ، ومن لم يعرف السّوء لم يجتنبه ، ومن لم يعرف الإضاعة لم يعرف الحزم . وقيل لعمر « 1 » : فلان لا يعرف الشرّ ، قال : ذاك أجدر أن يقع فيه ؛ قال النابغة « 2 » : [ الطويل ]
ولا يحسبون الشرّ لا شرّ بعده * ولا يحسبون الشرّ ضربة لازب
ولآخر « 3 » : [ الطويل ]
ولا يحسبون الشرّ حتى يصيبهم * ولا يعرفون الخير إلّا تدبّرا
وكانت العرب تقول « 4 » : نعوذ باللّه من الرأي الدّبريّ ؛ وقال جثّامة بن
هامش
( 1 ) قول عمر في البيان والتبيين 1 : 99 و 2 : 327 والعقد 3 : 11 وتاريخ الطبري 1 : 2757 والتذكرة الحمدونية 1 : رقم 709 . ( 2 ) بيت النابغة في البيان والتبيين 1 : 198 - 199 وديوانه : 48 . ( 3 ) البيت لجرير في البيان والتبيين 1 : 198 . ( 4 ) في الأمثال : شرّ الرأي الدبري ، أي الذي يسنح بعد فوات الوقت ، انظر مجمع الميداني 1 : 242 .