حاد مستحث على طلب العلم ؟ فقلت : نعم ، فقال : قل نعم ، فإنّ النّعم الإبل والبقر ، وأراد نشري وبسطي بهذا الردّ ، قال : أيّ أقوى في نفسك أن تعلم الحلال والحرام ، أو أن تتعمّق في الكلام ، أو أن تواصل هذا الأدب والبيان ؟
فقلت : بل مواصلة الأدب « 1 » ، فقال : ما اختال سحابك ولا خلب برقك ، فقال : أما إنّك إذ أبيت إلّا ذلك لما تجد في طباعك من النّزاع اليه ، والاشتمال عليه ، فخذ من الشّعر القديم أفصحه ، ومن الخبر المأثور أملحه ، واستغن بجليل النّحو عن دقيقه ، وليكن علمك اللغة ، واحرص أن تعلم ، ولا تحرص أن ترسم ، واكتف بأدنى علمك ، ولا تترأس على من دونك ، بل إن كان معه شيء فأره أنك دونه حتى تأخذه منه ، فإنّ من استعجل الرئاسة قبل حينها ذلّ .
814 - قال أبو حاتم ، قال أبو عبيدة :
لا تردّنّ على أحد خطأ في حفل فإنّه يستفيد منك ويتخذك عدوّا .
هذا آخر الجزء السادس « 2 » وهو مقطع الكتاب ، وقد غرست فيه وصايا شريفة ، وحكما عزيزة ، وآدابا غريبة ، وأصولا قوية ، وفروعا بديعة ، متى ذلّلت بروايتها لسانك ، وشحذت بحفظها طباعك ، وراسلت بمحاسنها سجراءك ، وثقفت بأحسنها نفسك ، وحبّرت بعيونها آدابك ، كنت مخصوصا بالسّعادة ، معانا بالتوفيق ، متّفقا عليه في الفضل ، مشارا إليه بالنّبل ، مدركا نهاية الأصل ، مجتنيا ثمرة العمر ، رفيعا عند السلطان ، بهيّا بين الإخوان ، مهيبا عند الخصوم . والذي لا أملّ تكراره عليك وإعادته عليك : الزّهد في هذه الدار المئوفة ، والحذر من العاقبة المخوفة ، والبدار إلى ما أراح الرّوح من كدّ
هامش
( 1 ) ل : أهل الأدب .
( 2 ) ل : الثاني .